مراكز الفحص التقني للسيارات بين ضرورة السلامة وواقع المعاناة اليومية

 

بقلم أبو أمين ” بيان مراكش”

تُعد مراكز الفحص التقني للسيارات آلية أساسية لضمان السلامة الطرقية، وحماية الأرواح، والتأكد من احترام المعايير البيئية والتقنية المعمول بها. غير أن هذه الغاية النبيلة تصطدم، في عدد من المدن والجهات، بواقع يومي يطغى عليه الاكتظاظ، وضياع الوقت، واستنزاف الجهد، بما يحوّل تجربة الفحص التقني من إجراء تنظيمي عادي إلى عبء نفسي ومادي على المواطن.
في مختلف ربوع البلاد، يشكو المرتفقون من طوابير طويلة تمتد لساعات، وأحيانًا لأيام عبر نظام المواعيد غير المحكم. مواطنون يضطرون للتغيب عن أعمالهم، أو قطع مسافات طويلة، فقط ليجدوا أنفسهم أمام انتظار مفتوح دون تفسير واضح. هذا الوضع لا يرهق الأفراد فحسب، بل ينعكس أيضًا على دينامية الحياة الاقتصادية، خاصة بالنسبة للمهنيين الذين تعتمد أرزاقهم على سياراتهم.
وإلى جانب مشكل الاكتظاظ، تبرز شكاوى متكررة من بعض السلوكيات غير المهنية داخل عدد من هذه المراكز: تعامل فظّ، تواصل متعالٍ، غياب التوجيه، بل وأحيانًا ممارسات يُشتبه في كونها نوعًا من الابتزاز غير المباشر عبر الإيحاء بـ”التدويرة” أو “الحلاوة” لتسهيل المرور أو التغاضي عن ملاحظات تقنية بسيطة. مثل هذه التصرفات – إن ثبتت – تمسّ جوهر الثقة المفترض أن تقوم بين الإدارة والمواطن، وتضرب في العمق مبدأ المساواة أمام القانون.
غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود الأفراد فقط، بل تمتد إلى المنظومة الإدارية المشرفة. فتعقيد المساطر، وضعف الرقمنة، وغياب آليات فعالة للمراقبة والتتبع، كلها عوامل تُفاقم الضغط وتزيد من منسوب الاحتقان. فكيف يُعقل، على سبيل المثال، أن يُفرض فحص تقني جديد على سيارة بمجرد انتقال ملكيتها إلى مالك آخر، رغم أن شهادة الفحص السابقة لا تزال سارية المفعول؟ أليس في ذلك تكرار لإجراء قائم، وإرهاق غير مبرر لجيب المواطن؟ وإذا كان الهدف هو ضمان سلامة المركبة، فإن هذه السلامة لا تتغير بمجرد تغيير اسم المالك في البطاقة الرمادية.
إن من حق الإدارة أن تحرص على السلامة الطرقية، لكن من واجبها أيضًا أن تراعي مبدأ التناسب بين الإجراء والغاية، وألا يتحول التنظيم إلى عبء مالي متكرر. فالمواطن اليوم يواجه ضغوطًا معيشية متعددة، وأي قرار إداري غير مبرر قد يُقرأ على أنه شكل من أشكال استنزاف القدرة الشرائية، بدل أن يُفهم في سياقه التنظيمي.
إن إصلاح هذا القطاع يمرّ عبر جملة من التدابير الواضحة:
تعميم الحجز الإلكتروني الفعّال وضبط المواعيد بدقة.
تشديد المراقبة على سلوكيات بعض التقنيين وترسيخ ميثاق أخلاقي ملزم.
مراجعة المساطر التي تفرض إعادة الفحص دون مبرر تقني حقيقي.
إحداث آلية تظلم شفافة وسريعة تمكّن المواطن من الإبلاغ عن أي تجاوز.
إن المطلوب اليوم من المسؤولين في الإدارة الترابية والقطاعات الوصية هو الانكباب الجاد على هذا الملف، ليس فقط من باب تحسين الخدمة العمومية، بل أيضًا من منطلق الحفاظ على السلم الاجتماعي وتقليص منسوب الاحتقان. فالإدارة الحديثة لا تُقاس بعدد الأختام والوثائق، بل بقدرتها على تبسيط المساطر، وصون كرامة المواطن، وتحقيق التوازن بين فرض القانون وخدمة الصالح العام.
فالسلامة الطرقية هدف مشترك، لكن احترام المواطن وتيسير مساطره هو أيضًا ركيزة لا تقل أهمية في بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.

Comments (0)
Add Comment