حين تكذب الأسواق الإحصائيات.. جدل جديد حول القطيع الوطني

تشهد قضية القطيع الوطني بالمغرب جدلا متزايدا كلما اقترب موسم عيد الأضحى، لكنها هذه السنة تبدو أكثر حساسية من أي وقت مضى. فبين الأرقام الرسمية التي تتحدث عن تحسن الوضع وارتفاع أعداد الماشية، والواقع الذي تعكسه الأسواق من أسعار مرتفعة وعرض محدود، يبرز سؤال محوري: هل تعكس الإحصائيات الرسمية الصورة الحقيقية للقطاع؟

فقد تداولت معطيات رسمية تتحدث عن وصول القطيع الوطني إلى مستويات مرتفعة تقترب من 40 مليون رأس من الأغنام والماعز، في إطار برنامج إعادة تشكيل القطيع الوطني بعد سنوات من الجفاف والتراجع الحاد الذي عرفه القطاع. كما أطلقت الحكومة برنامجا ضخما بمليارات الدراهم لدعم الكسابة، يشمل الأعلاف، وجدولة الديون، وترقيم الإناث الموجهة للتوالد بهدف بناء قاعدة بيانات دقيقة.

غير أن ما يثير الجدل هو الفجوة الواضحة بين الأرقام المعلنة والواقع الميداني. فلو كانت هذه الأرقام تعكس بالفعل وفرة غير مسبوقة في القطيع، لكان من الطبيعي أن يظهر ذلك من خلال انخفاض الأسعار وتحسن العرض داخل الأسواق. لكن المتابعين والمهنيين يسجلون استمرار موجة الغلاء، مع شكاوى متكررة من ضعف أعداد الماشية المعروضة للبيع مقارنة بالطلب المتوقع.

هذا الوضع يعيد إلى الواجهة انتقادات قديمة تتعلق بطرق إحصاء القطيع الوطني ودقة المعطيات المعتمدة. ففي السنوات الماضية سبق أن أثيرت تساؤلات بشأن منهجية الإحصاء والاعتماد على التصريحات أو المعطيات غير المحينة، وهو ما دفع السلطات إلى إطلاق مشروع الترقيم الإلكتروني للماشية أملا في تجاوز ما وصفه بعض الفاعلين بـ”فوضى الأرقام”.

ويبدو أن الإشكال لا يتعلق فقط بعدد الرؤوس، بل بمدى قدرة هذه الأرقام على توجيه السياسات العمومية بشكل سليم. فبرامج الدعم، وتوزيع الأعلاف، وتحديد المستفيدين، وحتى قرارات الاستيراد أو إلغاء الرسوم الجمركية، كلها ترتبط بشكل مباشر بمعطيات الإحصاء. وعندما تكون الأرقام محل تشكيك، يصبح من المشروع طرح أسئلة حول فعالية هذه البرامج ومدى وصولها للفئات المستهدفة فعلاًد.

ويشير عدد من المتتبعين إلى أن سنوات الجفاف المتتالية، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع أعداد الإناث المنتجة، دفعت عددا كبيرا من الكسابة إلى تقليص نشاطهم أو مغادرة القطاع نهائيا. كما أن تقارير سابقة تحدثت عن تراجع كبير في القطيع مقارنة بسنوات مرجعية سابقة، وهو ما يجعل الانتقال المفاجئ إلى أرقام قياسية يثير المزيد من التساؤلات.

اليوم، ومع اقتراب عيد الأضحى، لا تبدو الأزمة مجرد قضية أسعار أو مضاربات مرتبطة بـ”الشناقة”، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لمدى دقة المعطيات الرسمية ونجاعة سياسات إعادة بناء الثروة الحيوانية الوطنية. لأن المواطن البسيط لا يحكم على الأرقام المعلنة في البلاغات، بل على ما يجده في السوق، وعلى السعر الذي يدفعه في النهاية.

وبين لغة الإحصاءات الرسمية ولغة الواقع، يبقى السؤال معلقا: هل يعيش المغرب أزمة أرقام أم أزمة قطيع؟

Comments (0)
Add Comment