قانون المحاماة يشعل أكبر مواجهة بين وزارة العدل والمحامين.. هل تجاوزت بعض التدوينات حدود حرية التعبير؟

لم يكن التصويت بالأغلبية على مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة مجرد محطة تشريعية عادية، بل تحول إلى شرارة أشعلت مواجهة غير مسبوقة بين وزارة العدل وجزء من الجسم المهني للمحامين، بعد أن انتقل الخلاف من قاعات البرلمان إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث طغت على بعض التدوينات لغة حادة اعتبرها كثيرون بعيدة عن تقاليد مهنة الدفاع ورسالتها.

ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تعتبر المشروع لبنة جديدة في إصلاح منظومة العدالة وتعزيز الشفافية وحماية حقوق المتقاضين، اختار عدد من المحامين التصعيد عبر بيانات ومنشورات إلكترونية تميز بعضها بعبارات أثارت جدلا واسعا، ووصلت، بحسب وزير العدل عبد اللطيف وهبي، إلى مستوى قد يثير مسؤوليات تأديبية وأخلاقية، وربما جنائية إذا ثبت أنها تتضمن أفعالا يجرمها القانون.

وأعلن وزير العدل أن مصالح الوزارة شرعت في تجميع هذه التدوينات وإخضاعها للدراسة القانونية، تمهيداً لاتخاذ ما يفرضه القانون، مع إمكانية إحالة بعض الملفات على النيابة العامة بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة. وهو إعلان اعتبره متابعون مؤشرا على أن الدولة لن تتعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره منطقة خارج نطاق القانون، مهما كانت الصفة المهنية لأصحاب المنشورات.

وتطرح هذه التطورات سؤالا جوهريا: أين ينتهي الحق في الاحتجاج، وأين تبدأ المسؤولية القانونية؟ فحرية التعبير، وإن كانت حقا دستوريا مكفولا، لا تعني،وفق المبادئ القانونية المستقرة، إباحة السب أو القذف أو إهانة المؤسسات أو المس بكرامة الأشخاص. كما أن المحامي، بحكم موقعه داخل منظومة العدالة، مطالب أكثر من غيره بالالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام القانون الذي يدافع عنه يوميا داخل المحاكم.

ويتمسك عدد من المحامين بحقهم في انتقاد المشروع والتعبير عن رفضهم لبعض مقتضياته، خاصة تلك المتعلقة برقابة ودائع المحامين وآليات تدبيرها، معتبرين أن استقلالية المهنة ينبغي أن تبقى خطا أحمر. غير أن مراقبين يميزون بين المعارضة القانونية الرصينة، وبين الخطاب الذي قد يتحول إلى إساءة أو تشهير أو تحريض، وهو ما قد يفتح الباب أمام المساءلة.

ويرى متابعون أن هذه الأزمة كشفت جانبا آخر يتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت بعض المنصات فضاء لتصفية الخلافات المهنية والسياسية، بعيدا عن المؤسسات والهيئات المختصة. كما أعادت إلى الواجهة سؤالا حساسا: هل يمكن لمن يمارس الدفاع عن القانون أن يضع نفسه خارج الضوابط القانونية عندما يحتدم الخلاف؟

ومهما كانت المواقف من مشروع القانون، فإن المؤكد أن البرلمان حسم المسار التشريعي بالتصويت عليه بالأغلبية، لتنتقل المعركة من مرحلة النقاش السياسي إلى مرحلة التطبيق واحترام القانون. أما ما إذا كانت بعض التدوينات ستتحول فعلا إلى ملفات معروضة على القضاء، فذلك سيظل رهينا بما ستسفر عنه الأبحاث والتقييم القانوني، في إطار احترام ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.

ويبقى الرهان الأكبر هو أن تظل مهنة المحاماة، باعتبارها إحدى ركائز العدالة، نموذجا في الاحتكام إلى القانون، حتى في أشد لحظات الاختلاف، لأن قوة المؤسسات لا تقاس بغياب الخلاف، وإنما بقدرتها على إدارته داخل إطار القانون والاحترام المتبادل.

Comments (0)
Add Comment