أربعون مليون خروف… ومليون مواطن يبحث عن أضحية!

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

ليس من السهل على المواطن المغربي أن ينافس الأرقام الرسمية، فهي كائنات أسطورية لا ترى بالعين المجردة، لكنها تتلى بخشوع في المنابر، وتعلن بثقة في الندوات، وكأنها حقائق منزلة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

أربعون مليون رأس من الأغنام، هكذا قيل لنا، رقم يكفي نظريا لإدخال الطمأنينة إلى كل بيت، ولإسكات كل شكوى، ولتحويل عيد الأضحى إلى موسم وفرة لا موسما للقلق.

لكن، ويا للمفارقة التي تضحك حد البكاء، خرج المواطن إلى السوق فلم يجد إلا أرقاما أخرى:

«أثمنة تشتعل كأنها في موسم مضاربات بورصة لا سوق ماشية، وأكباشا تعرض كما لو كانت قطعا نادرة في مزاد عالمي، ومساومات تبدأ من حيث تنتهي القدرة الشرائية!».

هناك، في الأسواق، لا وجود للأربعين مليونا، بل فقط بضع عشرات من الأكباش المحاطة بعيون حائرة، وقلوب مثقلة، وجيوب خاوية.

– أي معجزة هذه التي تجعل الأغنام تتكاثر في التصريحات وتتناقص في الحظائر؟

– أي علم جديد هذا الذي يحول الإحصاء إلى فن من فنون الخيال؟

يبدو أن هناك قطيعا كاملا من (الأرقام السعيدة) يربى بعناية داخل مكاتب مكيفة، بينما يواجه المواطن قطيعا آخر من (الأسعار المفترسة) في الأسواق المفتوحة.

لقد أصبح المواطن المغربي، في هذا المشهد العبثي، مطالبا بأن يصدق شيئين متناقضين في الآن ذاته:

*أن العرض وفير، وأن جيبه هو المشكلة.

*وكأن الأزمة ليست في ندرة القطيع، بل في ندرة القدرة لدى المواطن.

وهنا تتحول المعادلة من خلل ٱقتصادي إلى خطاب تبريري أنيق، يحمل الضحية مسؤولية عجزه، ويمنح الأرقام براءة مطلقة.

الواقع، بكل بساطته الفجة، لا يحتاج إلى تقارير ولا إلى بلاغات… يكفي أن تتجول في الأسواق، أن تصغي إلى تذمر الناس، أن ترى الأب وهو يحسب الأيام قبل أن يحسب الدراهم، وأن ترى الأم وهي تؤجل فرحة العيد إلى إشعار آخر.

هناك، فقط، تسقط الأقنعة، وتتبخر الأرقام، ويبقى السؤال معلقا:

– أين ذهبت تلك الملايين الأربعون؟

ربما هاجرت في قوارب سرية نحو جداول الإحصاء، أو ربما ٱلتهمتها مضاربات لا ترى، أو لعلها ببساطة لم تكن سوى (أغنام ٱفتراضية) خلقت لتزيين البلاغات وتجميل الواقع.

وفي كل الأحوال، فإن المؤكد الوحيد هو أن المواطن لا يشتري بالأرقام، ولا يضحي بالتصريحات، بل يضحي بما في جيبه… إن بقي فيه شيء.

إنها ليست مجرد أزمة أضاحي، بل أزمة مصداقية تتكرر كل موسم، حيث تتضخم الأرقام بقدر ما تتقلص الثقة، ويتسع الفارق بين ما يقال وما يعاش. وبين (أربعين مليون رأس) و(رأس مواطن مثقل)، تضيع الحقيقة، ويذبح المنطق على أعتاب البلاغات الرسمية.

 

وفي ٱنتظار عيد لا تصادره الأرقام، سيبقى المواطن المغربي يردد بسخرية مرة:

«لسنا في حاجة إلى أربعين مليون خروف…

بل في حاجة إلى مسؤول واحد يقول الحقيقة».

Comments (0)
Add Comment