حمقى في بلاد العقلاء!” «حين يصبح التفكير تهمة، والإستقامة سذاجة والضمير عبئا».

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ليس كل مجتمع يحتفي بعقلائه، وليس كل زمن ينصف مثقفيه، فهناك أزمنة غريبة، ترفع فيها قيمة الإنسان بقدر ما يجيد التملق، لا بقدر ما يمتلك من علم، ويكافأ فيها الٱنتهازي على مرونته، بينما يدان صاحب المبدأ لأنه لم يتقن فن الإنحناء.

في مثل هذه الأزمنة، لا يعود العاقل عاقلا في نظر الناس، بل يتحول إلى (أحمق) لأنه رفض أن يبيع ضميره، أو أن يساوم على قناعاته، أو أن يصفق للباطل طلبا لرضا الجماهير أو أصحاب النفوذ.
لقد ٱنقلبت الموازين حتى أصبح الجاهل يسخر من المثقف، والفاسد يستهزئ بالنزيه، والٱنتهازي ينصح الشريف بأن يكون أكثر واقعية!
وما يسمونه واقعية ليس سوى ٱسم آخر للتخلي عن المبادئ، وللتعايش مع الفساد، ولإضفاء الشرعية على الرداءة.
العاقل لا يكره الناس، لكنه يكره الزيف.
والمثقف لا يخشى الحوار، لكنه يرفض أن يتحول العقل إلى تابع للهوى، أو أن تصبح الحقيقة رهينة لمزاج الأغلبية.
ولذلك، كان العقلاء عبر التاريخ أكثر الناس وحدة، لأنهم لم يسيروا حيث يسير الجميع، بل ساروا حيث تقودهم قناعاتهم.
وليس من قبيل المصادفة أن يصبح صاحب الكلمة الحرة منبوذا، وأن ينظر إلى صاحب الضمير بٱعتباره شخصا معقدا، بينما يحتفى بمن يغير مواقفه كما يغير ثيابه.
فالمجتمعات التي تختل فيها المعايير لا تعاقب الجهل، بل تعاقب المعرفة، ولا تخاف من الفساد، بل تخاف ممن يفضحه.
إن أخطر أشكال الإنحطاط ليس ٱنتشار الجهل، فالجهل يمكن علاجه بالتعليم، وإنما ٱحتقار العلم، والسخرية من الحكمة، وتحويل أصحاب الفكر إلى مادة للتندر.
عندها يبدأ المجتمع في هدم حصونه بيديه، وهو يظن أنه يبنيها.
ولأن العقل مرآة تكشف العيوب، فإن أصحاب المصالح يخشونه.
ولأن الضمير يوقظ النائمين، فإن المستفيدين من الفوضى يحاربونه.
ولهذا، كان العقلاء دائما أقلية، لكنهم كانوا أيضا أصحاب الأثر الذي لا يمحوه الزمن.
لذا، سيبقى الجاهل يظن أن الصمت ضعف، وأن الحكمة تردد، وأن التسامح عجز، لأنه لا يدرك أن أعظم قوة يمتلكها الإنسان هي قدرته على السيطرة على نفسه، لا على الآخرين.
إننا لا نعيش أزمة قلة عقلاء، بل أزمة تقدير للعقل.
وما دام المجتمع يمنح المنابر لمن يثير الغرائز أكثر ممن يحرك العقول، فإن الأحمق سيظن نفسه حكيما، وسيبدو الحكيم، في عينيه، مجرد أحمق لا يعرف كيف يساير القطيع.
غير أن الحقيقة لا تحتاج إلى تصفيق كي تبقى، كما أن الشمس لا تستأذن العيون المغلقة كي تشرق.
ولذلك، فإن العقلاء لا يخسرون حين يساء فهمهم، بل يخسر المجتمع حين يختار أن يدير ظهره لهم.

فإذا كان الثمن الذي يدفعه الإنسان ليحافظ على شرفه، وضميره، وٱستقلال فكره، هو أن يصفه الجهلاء بالحمق… فليكن.
فما أكثر الحمقى… في بلادٍ كان العقل فيها يوما سيدا، ثم أصبح غريبا بين أهله.

Comments (0)
Add Comment