با العلوي… حين يرحل صاحب الكلمة التي دخلت القلوب بلا ٱستئذان.

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقى المغاربة اليوم الأحد 16 غشت 2026، نبأ وفاة الداعية والواعظ المغربي “محمد العلوي”، المعروف لدى عموم متابعيه بـ«با العلوي»، بعد تدهور حاد في وضعه الصحي خلال الأيام الأخيرة، ليرحل بذلك رجل قضى عقودا في مجال الوعظ والإرشاد، وترك بصمة خاصة في وجدان شريحة واسعة من المغاربة.

لم يكن «با العلوي» مجرد واعظ عابر في المشهد الديني المغربي، فقد ٱستطاع بأسلوبه الخاص والعفوي أن يجد لنفسه مكانا مميزا بين جمهوره، وأن يجعل من الكلمة الدينية خطابا قريبا من الناس، بعيدا عن التعقيد والتكلف.
كان يتحدث بلغة بسيطة، ويقترب من تفاصيل الحياة اليومية، ويمزج بين الموعظة والإبتسامة، وبين النصيحة والحديث المباشر، وهو ما جعله يحظى بمتابعة واسعة على مدى سنوات.
وقد عرف الراحل بتقديم نفسه بٱعتباره «واعظا شعبيا مغربيا أصيلا»، وبٱعتماده في مساره على دراسة القرآن واللغة العربية والفرنسية، إلى جانب المطالعة ومجالسة العلماء، وهو ما ساهم في تشكيل تجربته الخاصة في الوعظ والإرشاد.

وبعيدا عن الٱختلاف في تقييم أسلوبه أو طريقته في تقديم الموعظة، يبقى الثابت أن «با العلوي» ٱمتلك قدرة لافتة على الوصول إلى الناس، خصوصا الفئات التي كانت تجد في لغته العفوية والبسيطة وسيلة لفهم بعض القضايا الدينية والأخلاقية والإجتماعية.
ولسنوات طويلة، ظل صوته حاضرا في التسجيلات ومقاطع الفيديو التي تداولها المغاربة، وأصبحت بعض مواعظه وعباراته جزءا من الذاكرة الشعبية لمتابعيه.
وربما هنا تحديدا تكمن خصوصية تجربته… فالواعظ لا يعيش فقط بما يقوله في حياته، وإنما بما يبقى من كلماته بعد رحيله.

وقد عانى الراحل خلال السنوات الأخيرة من متاعب صحية، وخضع للعلاج والعمليات الجراحية، قبل أن تتجدد معاناته الصحية، وهو ما أثار تعاطف محبيه ومتابعيه الذين ظلوا يسألون عن وضعه ويدعون له بالشفاء.
واليوم، وقد أسدل الموت الستار على رحلة رجل ٱختار أن يجعل من الكلمة وسيلة للتأثير والتوجيه، يبقى السؤال عن الأثر الذي يتركه الإنسان بعد رحيله أكثر أهمية من الحديث عن الرحيل نفسه.
فالإنسان لا يقاس فقط بعدد السنوات التي عاشها، ولا بعدد المواعظ التي ألقاها، وإنما بما تركه في نفوس الناس من أثر، وبالكلمات التي بقيت حاضرة بعد غيابه.

قد يختلف الناس حول «با العلوي»، وحول أسلوبه وطريقته، لكن الٱختلاف لا يلغي حقيقة أنه ٱستطاع أن يصل إلى فئات واسعة من المجتمع المغربي، وأن يحجز لنفسه مكانا في ذاكرة متابعيه.
وفي زمن أصبحت فيه الكلمة الدينية أحيانا أسيرة التعقيد والجدل، ربما كان أبرز ما ميز تجربة «با العلوي» هو قدرته على مخاطبة الناس بلغتهم، والإقتراب من واقعهم، وتحويل الموعظة إلى حديث يفهمه الجميع.

رحل «با العلوي» عن الدنيا، لكن صوته سيظل حاضرا في تسجيلاته ومواعظه، وستبقى كلماته تتردد بين من عرفوه ومن تابعوه ومن وجدوا في حديثه شيئا يلامس حياتهم وواقعهم.
رحل الجسد، وبقي الأثر… وتلك سنة الحياة.
فالأشخاص يرحلون، لكن ما يتركونه من كلمة طيبة أو أثر حسن قد يبقى طويلا بعدهم.
وفي هذه اللحظة الحزينة، لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يغفر له ويتجاوز عنه، وأن يكرم نزله ويوسع مدخله، وأن يجعل ما قدمه من وعظ وإرشاد وكلمة طيبة في ميزان حسناته.

اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنر له قبره، وآنس وحشته، وٱرفع درجته في المهديين، وٱخلفه في أهله ومحبيه بخير، وألهم أسرته وذويه وجميع محبيه جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحم الله «با العلوي» رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل أثره الطيب شاهدا له يوم لا ينفع مال ولا بنون.

Comments (0)
Add Comment