✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
تمر ذكرى رحيل المفكر المغربي الكبير “المهدي المنجرة”، ولا يكاد صداها يلامس وجدان جيل كامل، جيل يفترض أنه الأحق بحمل مشعل الوعي، فإذا به يجهل واحدا من أعمدة الفكر الإستشرافي ليس في المغرب فقط، بل في العالم بأسره.
وكأننا أمام مفارقة مؤلمة:
«رجل قرأ المستقبل مبكرا، لكن وطنه تأخر كثيرا في قراءة قيمته!».
لم يكن “المهدي المنجرة” مجرد ٱسم عابر في سجل النخب، بل كان مدرسة قائمة بذاتها.
رجل ٱشتبك مع أسئلة الحضارة، وواجه ٱختلالات النظام العالمي بجرأة نادرة، ورفع سقف النقد حين كان الصمت هو القاعدة.
ٱشتغل داخل مؤسسات دولية كبرى، وأسهم في تقارير ٱستراتيجية، وكان من أوائل من نبهوا إلى خطورة الهيمنة الثقافية، ودق ناقوس الخطر بشأن ما سماه “حرب القيم” قبل أن يصبح المصطلح متداولا بسنوات.
كان “المنجرة” يرى ما لا نراه، ويقرأ ما بين سطور المستقبل، لكنه دفع ثمن ٱستقلاليته الفكرية تهميشا وإقصاء غير معلن.
لم يحتف به كما يليق، ولم تستثمر خبرته كما يجب، وكأن هذا الوطن ٱعتاد أن يضيع كنوزه الحقيقية وهو منشغل بتلميع الواجهات.
الأشد مرارة أن أغلب شباب اليوم لا يعرفون شيئا عن هذا الرجل.
لا يمر ٱسمه في المقررات الدراسية، ولا يستحضر في النقاشات العمومية، وكأن ذاكرة الوطن أصابها عطب متعمد.
– كيف يعقل أن يقصى مفكر بحجم “المنجرة” من المنظومة التربوية، بينما نحن في أمس الحاجة إلى فكره النقدي، وإلى وعيه العميق بمآلات العالم؟
إن تغييب المنجرة ليس مجرد سهو، بل هو خسارة مزدوجة: «خسارة لرمز فكري، وخسارة لبوصلة كان يمكن أن توجه أجيالا نحو التفكير الحر والمسؤول».
فالرجل لم يكن يقدم أجوبة جاهزة، بل كان يزرع الأسئلة في العقول، والأسئلة هي بداية كل نهضة.
في ذكرى رحيله، لا يكفي أن نترحم عليه، بل يجب أن نسائل أنفسنا:
– ماذا فعلنا بإرثه؟
– ولماذا نصر على إعادة إنتاج نفس الأخطاء التي حذر منها؟
– وهل يمكن لوطنٍ يُهمّش مفكريه أن يصنع مستقبله بوعي؟
المهدي المنجرة لم يمت فقط يوم 13 يونيو 2014، بل يموت كل مرة نقصي فيها الفكر، ونستبدل النقد بالتطبيل، ونحول الذاكرة إلى هامش.
ومع ذلك، يبقى الرجل أكبر من أجل النسيان، لأن الأفكار الصادقة لا تموت، بل تنتظر من يوقظها.
رحم الله المهدي المنجرة… رجل سبق زمانه، وتأخر وطنه عن ٱستيعابه.