المغرب بين بريق الأرقام وانكسار التشغيل .. قراءة موضوعية في تقرير البنك الدولي حول التناقضات الاقتصادية والاجتماعية

بقلم: سمير بوزيد
مهتم بقضايا حماية المال العام ومحاربة الفساد و الحكامة
عضو مؤسس للهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب
نائب الرئيس سابقاً للهيئة

يُعد تقرير البنك الدولي الصادر في صيف 2026 وثيقةً محوريةً تعكس الأداء الاقتصادي للمغرب خلال السنوات الأخيرة، وتناقش في الوقت نفسه التحديات الاجتماعية والهيكلية التي تواجه البلاد. ويقدم التقرير قراءة متوازنة للإنجازات المحققة، دون إغفال النقاط التي تتطلب مزيداً من الإصلاح والجهود.

على المستوى الاقتصادي، يشير التقرير إلى تحقيق نمو ملحوظ، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي 4.9% سنة 2025، وهو أعلى مستوى منذ عقد، ويعزى ذلك إلى الاستثمارات العمومية المرتبطة بمشاريع البنية التحتية، بما في ذلك الاستعدادات لكأس العالم 2030. وفي مجال الأسعار، سجل التضخم انخفاضاً إلى 0.8% بعد ذروة بلغت 10.1% في فبراير 2023، كما تحسن عجز الميزانية إلى 3.5% من الناتج، واستقر الدين العام عند 66.6%، فيما رفعت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيف المغرب إلى درجة استثمارية.

غير أن التقرير لا يقتصر على المؤشرات الإيجابية، بل يناقش التحديات الاجتماعية، خاصة في سوق الشغل. فقد كشفت منهجية جديدة اعتمدتها المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة الصارمة بلغ 10.8%، بينما وصل مؤشر الاستخدام الناقص إلى 22.5%، مما يعكس وجود هشاشة تشغيلية لدى أكثر من خُمس القوة العاملة. كما أشار التقرير إلى تصنيف 884 ألف شخص ضمن “القوة العاملة المحتملة”؛ أي الراغبين في العمل لكنهم توقفوا عن البحث، مما يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات الحالية في استيعاب هذه الفئة.

أما في ما يخص مشاركة المرأة، فتبلغ نسبتها 17.5% فقط، مما يضع المغرب في المرتبة 186 عالمياً من أصل 195 دولة، ويشير التقرير إلى أسباب متعددة لهذه الوضعية، من بينها التحيزات الاجتماعية، ونقص خدمات رعاية الأطفال، وغياب وسائل النقل، وظروف العمل غير الملائمة.

وعلى صعيد المالية العامة، يناقش التقرير استمرار اللجوء إلى عمليات “البيع وإعادة التأجير” لممتلكات الدولة، التي مثلت 2% من الناتج سنة 2025، ويثير تساؤلات حول استدامتها. وينبه التقرير أيضاً إلى مخاطر التزامات الشركات العامة والشراكات بين القطاعين، إضافة إلى نسبة القروض غير المنتجة التي بلغت 8.9% من الائتمان البنكي.

ويقدم التقرير التحول الرقمي كخيار استراتيجي لتعزيز الإنتاجية وتحسين فرص العمل، لكنه يشير إلى أن التطبيق لا يزال محدوداً. فدراسة شملت 1256 شركة كشفت أن أقل من خمسها يستخدم التكنولوجيا المتقدمة بشكل مكثف، رغم أن الرقمنة قد ترفع الإنتاجية بنسبة 70% وتحدث نمواً في التوظيف بنسبة 10%، ويعزو التقرير ذلك إلى عوائق مثل التكلفة المرتفعة، ونقص المهارات، والثقة المفرطة لدى الإدارة.

في الختام، يدعو التقرير إلى تبني سياسات تشغيلية فعّالة، وإصلاحات في سوق الشغل، واستثمارات في التعليم والتكوين، إلى جانب حوكمة شفافة للمال العام. غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: كيف يمكن لهذه الأرقام والتوصيات أن تتحول إلى واقع يعيشه المواطن البسيط في قريته أو حيه، بدلاً من أن تبقى حبيسة دواوين الوزارات وقاعات الاجتماعات؟ وكيف يمكن للشاب العاطل أن يلمس أثر هذا النمو في محيطه اليومي؟ وكيف يمكن للأم التي تعيل أسرتها أن تجد فرصة عمل تليق بها؟ هذه الأسئلة هي جوهر التحدي التنموي في المغرب اليوم.

المصادر والمراجع (حصرياً من التقرير)

المعلومة المرجع في التقرير
نمو الناتج المحلي 4.9% عام 2025 ص 2، 11، 17
التضخم 0.8% عام 2025، و10.1% فبراير 2023 ص 4، 19
عجز الميزانية 3.5% من الناتج ص 6، 11، 19
الدين العام 66.6% من الناتج ص 6، 19
رفع التصنيف من S&P إلى درجة استثمارية ص 6، 11
عمليات البيع وإعادة التأجير 2% من الناتج ص 6
القروض غير المنتجة 8.9% من الائتمان ص 21
الانتقال من منهجية ENE إلى EMO ص 9-10
معدل البطالة الصارمة SU1 = 10.8% ص 10
مؤشر الاستخدام الناقص SU4 = 22.5% ص 10
قوة العمل المحتملة 884,000 شخص ص 9
مشاركة النساء 17.5% (المرتبة 186 من 195) ص 9-10
أسباب ضعف مشاركة النساء ص 9
التحول الرقمي، مسح 1,256 شركة، 300 تقنية ص 21، 38
أقل من خمس الشركات تستخدم التكنولوجيا المتقدمة ص 11، 38
مكاسب إنتاجية 70% ونمو تشغيل 10% ص 12، 40-41
عوائق الرقمنة: التكلفة، نقص المهارات، الثقة المفرطة ص 26، 41-42

للاطلاع على المزيد من تقارير البنك الدولي حول المغرب:
https://www.worldbank.org/en/country/morocco

Comments (0)
Add Comment