بقلم : يوسف أيت سيدي سعيد،
فاعل مدني مهتم بالشأن العام الترابي.
بصفتي فاعلا مدنيا مهتما بالشأن العام الترابي، أؤمن أن تعزيز المشاركة السياسية للنساء ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو رهان استراتيجي على مستقبل أكثر عدالة وتمثيلية داخل الجماعات الترابية والبرلمان. إن تجربة إقليم شيشاوة تكشف بوضوح أن حضور النساء في مراكز القرار ما يزال رهينا بالكوطا واللوائح المزدوجة، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام دينامية جديدة تقودها الجمعويات والمتعاونات والمرشحات المحتملات، بما يعكس إرادة متنامية لتجاوز العوائق الاجتماعية والثقافية نحو مشاركة فعلية وفاعلة في صياغة السياسات المحلية والوطنية.
وأعتبر أن المشاركة السياسية للنساء أحد الأعمدة الأساسية لترسيخ الديمقراطية وتعزيز العدالة الاجتماعية. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026 والجماعية لسنة 2027، يظهر إقليم شيشاوة كنموذج غني بالدلالات، حيث تتقاطع فيه التحديات البنيوية مع الطموحات المتزايدة للنساء في الانخراط الفعلي في الحياة السياسية. اد شكل دستور 2011 نقطة تحول في مسار تعزيز المساواة بين الجنسين، حيث نص في الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما أكد الفصل 30 على حق المواطنات والمواطنين في التصويت والترشح للانتخابات بشروط متساوية، فيما ألزم الفصل 146 القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بمراعاة مقاربة النوع الاجتماعي. وإلى جانب ذلك، نصت القوانين التنظيمية لسنة 2015 على ضرورة إدماج مقاربة النوع في برامج التنمية المحلية، وتخصيص نسب معينة من المقاعد للنساء عبر نظام الكوطا، كما تم إحداث صندوق دعم تمثيلية النساء سنة 2009 لتعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية عبر تمويل مشاريع الأحزاب والجمعيات التي تهدف إلى تأهيل النساء للترشح وتطوير قدراتهن القيادية.
يتميز إقليم شيشاوة بطابعه القروي، حيث ترتبط المشاركة السياسية بعوامل اجتماعية وثقافية معقدة. النساء في الإقليم يواجهن تحديات مضاعفة تتمثل في الأمية، ضعف الموارد الاقتصادية، والعادات الاجتماعية التي تحد من حضورهن في الفضاء العام. ومع ذلك، هناك دينامية تعاونية وجمعوية متنامية تعمل على تمكين النساء عبر التكوين والتأطير، مما يفتح المجال أمام بروز قيادات نسائية محلية. في انتخابات 2021، خصص للإقليم أربع مقاعد برلمانية في مجلس النواب، وقد أفرزت النتائج النهائية فوز أربعة أحزاب رئيسية (الأصالة والمعاصرة، الحركة الشعبية، التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال). غير أن النساء لم يتمكن من الفوز بأي مقعد محلي عبر الترشيحات الفردية، واقتصر حضورهن على اللوائح الوطنية والجهوية التي يضمنها نظام الكوطا، وهو ما يعكس استمرار هيمنة الرجال على التمثيلية البرلمانية المحلية ويبرز أن المنافسة الفردية ما تزال حكرا عليهم.
على مستوى المجالس الجماعية والإقليمية، سجلت النساء حضورا نسبيا أفضل بفضل نظام الكوطا، لكن نسبة مشاركتهن لم تتجاوز 20% من مجموع المنتخبين في الإقليم. وقد أفرزت اللوائح المزدوجة ضمن نظام الكوطا المحلية عددا من المرشحات اللواتي تمكن من دخول المجالس الجماعية، وهو ما ساهم في رفع نسبة التمثيلية النسائية، وإن ظل حضورهن محدودا حتى في النقاش داخل المجالس الترابية مقارنة بالرجال. حالة فريدة برزت في انتخابات 2021، حيث تمكنت امرأة واحدة من الوصول إلى رئاسة جماعة تمزكاديوين، وهي التجربة الوحيدة في الإقليم التي تعكس إمكانية وصول النساء إلى مواقع القيادة رغم العراقيل البنيوية. إحصائيا، بلغ عدد سكان إقليم شيشاوة وفق الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 حوالي 385 ألف نسمة، منهم ما يقارب 190 ألف امرأة أي بنسبة تقارب 49% من مجموع السكان. ورغم هذا الثقل الديمغرافي النسائي، فإن انعكاسه السياسي ظل محدودا، حيث حصلت النساء على حوالي 6 مقاعد من أصل 17 في المجلس الإقليمي (بنسبة 35%)، بينما لم تتجاوز نسبتهن في المجالس الجماعية 20%. توزيع المقاعد داخل المجلس الإقليمي أظهر أن حزب الأصالة والمعاصرة حصل على 8 مقاعد منها 3 نسائية، والحركة الشعبية على 3 مقاعد بينها مقعد واحد نسائي، وحزب الاستقلال على مقعدين أحدهما نسائي، والتجمع الوطني للأحرار على مقعدين أحدهما نسائي، إضافة إلى مقاعد أخرى توزعت بين الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري. هذه الأرقام تعكس أن حضور النساء في المجلس الإقليمي كان أفضل نسبيا مقارنة بالبرلمان، لكنه ظل رهينا بالكوطا أكثر من كونه نتيجة ترشيحات فردية مستقلة.
إلى جانب هذه المعطيات، تلعب الجمعويات والمتعاونات دورا محوريا في دعم النساء وتأهيلهن للانخراط السياسي، حيث تنظم الجمعيات النسائية والشبابية ورشات للتكوين والتأطير في القيادة والتواصل، وتواكب المرشحات خلال الحملات الانتخابية بالدعم المعنوي واللوجستيكي. أما المتعاونات داخل الأحزاب والمبادرات التنموية، فهن يساهمن في خلق شبكات تضامن نسائية تساعد على تجاوز العقبات الاجتماعية والثقافية. كما أن المرشحات المحتملات يشكلن رصيدا بشريا وسياسيا مهما، إذ أن العديد من النساء الشابات والفاعلات المحليات يملكن الطموح لخوض غمار الانتخابات، لكنهن يواجهن عراقيل مرتبطة بالموارد المالية والخبرة السياسية. لذلك، فإن الاستثمار في تكوينهن وتوفير الدعم المالي واللوجستيكي لهن، مع مرافقة جمعوية وحزبية قوية، يمكن أن يحولهن إلى فاعلات أساسيات في المجالس الجماعية والإقليمية، بل وحتى في البرلمان، مما يساهم في تحويل المشاركة النسائية من حضور شكلي عبر الكوطا إلى منافسة فعلية على المقاعد ومراكز القرار.
بلادنا أيضا ملتزمة بعدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تؤطر مشاركة النساء في مراكز القرار، أبرزها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) التي صادق عليها سنة 1993، وإعلان ومنهاج عمل بكين (1995) الذي دعا إلى تعزيز مشاركة النساء في مواقع القيادة بنسبة لا تقل عن 30%، إضافة إلى أهداف التنمية المستدامة (2015-2030) التي تنص على تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات. كما اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أبريل 2025 قرارا مهماً قدمه المغرب حول المرأة والدبلوماسية وحقوق الإنسان، وهو ما شكل محطة نوعية في تعزيز التمثيلية النسائية في المجال الدبلوماسي والمحافل متعددة الأطراف. هذه الالتزامات الدولية تشكل إطارا مرجعيا قويا يدعم الإصلاحات الوطنية، وتؤكد أن مشاركة النساء في مراكز القرار ليست فقط مطلباً داخليا، بل أيضا التزاما دوليا يفرض على المغرب تعزيز حضور النساء في مختلف مستويات الحكم والسياسة.
إن مشاركة النساء في الحياة السياسية بإقليم شيشاوة ليست مجرد مطلب حقوقي، بل هي رهان استراتيجي على مستقبل أكثر عدالة وتمثيلية. الانتخابات التشريعية لسنة 2026 والجماعية لسنة 2027 ستشكل اختبارا حقيقيا لمدى قدرة المجتمع والدولة على تحويل النصوص الدستورية والقوانين التنظيمية والالتزامات الدولية إلى واقع ملموس، حيث تصبح المرأة فاعلا أساسيا في صياغة القرار السياسي المحلي والوطني. تجربة رئيسة جماعة تمزكاديوين تظل بارقة أمل، لكنها تحتاج إلى أن تتحول من حالة استثنائية إلى قاعدة عامة تعكس حضورا نسائيا قويا في القيادة الترابية والبرلمانية.