الفنيدق… حين يهاجر الوطن في عيون أبنائه!..

..

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ليست هذه صورا عابرة تطوى مع نهاية نشرة الأخبار، وليست مشاهد تصلح لأن تستهلك على منصات التواصل الإجتماعي ثم تنسى بعد ساعات… إنها جرح مفتوح في ضمير الوطن، وصفعة موجعة لكل من لا يزال يعتقد أن الأوطان تقاس بالشعارات، بينما يقاس حبها بكرامة الإنسان فيها.

أعترف… لقد دمعت عيناي قبل أن يجفف قلبي دموعه. كيف لا، وأنا أرى مئات الشباب والفتيات، بل رجالا ونساء، وأمهات يحملن أطفالهن بين الأمواج، يركضون نحو المجهول وكأن الموت صار أقل قسوة من حياة أثقلت كاهلهم بالخذلان؟
– أي وجع هذا الذي يدفع شابا في مقتبل العمر إلى أن يرتمي في أحضان بحر لا يرحم؟
– وأي يأس ذاك الذي يجعل أما تحتضن رضيعها بين الأمواج، وهي تعلم أن البحر لا يفرق بين حلم وغريق؟

إن ما شهدته مدينة “الفنيدق” لم يكن مجرد محاولة للهجرة غير النظامية، بل كان نزيفا إنسانيا جماعيا، وصرخة مدوية خرجت من أعماق قلوب أنهكها الغلاء، وأرهقتها البطالة، وأتعبها الٱنتظار الطويل.
لقد كانت الأجساد تسبح في البحر، لكن الحقيقة أن الأرواح كانت تغرق منذ سنوات.
هؤلاء لم يغادروا لأنهم يكرهون وطنهم، بل لأنهم أحبوا الحياة ولم يجدوها كما تمنوها.
لم يركضوا خلف سراب أوروبا حبا في الغربة، وإنما هربا من واقع فقد فيه كثيرون الإحساس بالأمل، حتى صار المجهول أكثر إغراء من المعلوم.
كم هو مؤلم أن ترى شبابا يمثلون ثروة هذا الوطن وهم يرمون بأنفسهم في البحر، لا يحملون سوى أحلام مؤجلة وقلوب مثقلة بالأسئلة.
وكم هو موجع أن يتحول البحر، الذي كان رمزا للجمال والحياة، إلى بوابة للمخاطرة والموت، وإلى شاهد صامت على أحلام تتكسر فوق الأمواج.
إن هذه المشاهد لا يجوز أن تقرأ بعين الإدانة وحدها، ولا أن تختزل في بعدها الأمني فقط، لأن وراء كل وجه حكاية، ووراء كل جسد أنهكته السباحة قصة بيت أنهكه الفقر، ووراء كل دمعة أم أو أب سنوات من الٱنتظار والحرمان.
لقد أصبح البحر اليوم يعكس صورة مجتمع يئن تحت وطأة تحديات ٱقتصادية وٱجتماعية ونفسية متشابكة، حتى بات بعض أبنائه يعتقدون أن النجاة قد تكون خلف الأفق، ولو كان الطريق إليها محفوفا بالغرق.
ومع ذلك، فإن الحقيقة التي ينبغي أن تبقى حاضرة هي أن الهجرة غير النظامية ليست خلاصا مضمونا، بل مغامرة قد تنتهي بفقدان الحياة أو التعرض للٱستغلال أو الٱعتقال أو الضياع.
فلا ينبغي أن يتحول اليأس إلى بوصلة، ولا أن يصبح البحر بديلا عن الأمل.
سيأتي يوم تنسى فيه هذه الصور من هواتف الناس، لكن هناك أمهات لن ينسينها ما حيين، وآباء سيظلون يحدقون في البحر كل مساء، لعل موجة تعيد إليهم أبناء ٱبتلعهم المجهول.

إن الوطن لا يخسر حين يعبر أحد أبنائه البحر فقط… بل يخسر حين يصل هذا الإبن إلى قناعة بأن البحر أرحم من البقاء.
اللهم ٱحفظ أبناء هذا الوطن، وٱرزقهم أملا يغنيهم عن ركوب أمواج اليأس، وٱجعل الكرامة والعيش الكريم حقا لكل إنسان، حتى لا يبقى البحر شاهدا على أحلام تموت قبل أن تولد.

Comments (0)
Add Comment