✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
حين تصبح جمعية رياضية ذات طابع غير ربحي مطالبة بأداء ضريبة على الشركات، لا يعود السؤال مجرد رقم في إشعار إداري، ولا مجرد (أربعة آلاف درهم) تضاف إلى أعباء جمعية تكافح أصلا لتوفير الحد الأدنى من شروط ممارسة الرياضة.
السؤال يصبح أعمق من ذلك بكثير:
– هل نحن أمام تطبيق عادل وموحد للقانون، أم أمام قانون يشتد حضوره حين يتعلق الأمر بمن لا يملك إلا أن يمتثل؟
القضية التي بين أيدينا تتعلق بإشعار صادر عن “مصلحة الضرائب بمراكش”، يطالب إحدى الجمعيات الرياضية بأداء مبلغ قدره (أربعة آلاف درهم!)، تحت خانة الضريبة على الشركات (IF)، مع تحديد تاريخ الٱستحقاق في «30 يونيو 2026».
ونحن هنا لا نطعن في الوثيقة، ولا نتهم موظفا أو مسؤولا، ولا نزعم أن الضريبة غير مستحقة، فذلك شأن تحدده النصوص القانونية والجهات المختصة… لكننا نطرح السؤال الذي ينبغي أن يطرح بكل وضوح:
– على أي أساس قانوني أُخضعت هذه الجمعية لهذه الضريبة؟
فالقول إن الجمعية ذات طابع غير ربحي لا يعني، من الناحية القانونية، أنها معفاة تلقائيا من جميع الضرائب، وهذه حقيقة ينبغي ٱحترامها قبل إطلاق الأحكام. فالوضعية الضريبية للجمعية لا تحسم فقط بعبارة «غير ربحي»، وإنما ترتبط بطبيعة النشاط الذي تمارسه، ومصادر مداخيلها، وشروط ممارستها لذلك النشاط، ومدى ٱنطباق شروط الخضوع أو الإعفاء المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب.
لكن، وفي الإتجاه المقابل، فإن مجرد كون الجمعية تتوفر على تعريف ضريبي أو تمارس نشاطا رياضيا لا يكفي وحده من حيث المبدأ لشرح سبب إخضاعها للضريبة على الشركات.
المطلوب هو السند القانوني الدقيق، والأساس المعتمد في تحديد الوعاء، وطريقة ٱحتساب مبلغ (الأربعة آلاف درهم).
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لأن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو:
– إذا كانت هذه الجمعية خاضعة للضريبة وفق شروط قانونية معينة، فهل تخضع لها جميع الجمعيات الرياضية التي توجد في الوضعية القانونية نفسها؟
– وإذا كانت جمعيات أخرى في المدينة تمارس نشاطا مماثلا(وهذا أكيد)، وتحمل الصفة الجمعوية نفسها، ولا يبدو أنها تؤدي الضريبة ذاتها، فهل ٱختلاف المعاملة راجع إلى ٱختلاف قانوني حقيقي؟
– أم أن هناك ببساطة تفاوتا في التصريح أو المراقبة أو معالجة الملفات؟
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين:
«عدم مطالبة جمعية أخرى بالضريبة لا يعني بالضرورة أنها معفاة قانونا، فقد تكون لها وضعية ضريبية مختلفة، أو لم تشملها المراقبة بعد، أو تكون قد ٱستفادت من معالجة أو إعفاء بناء على شروط خاصة.. ولذلك لا يجوز تحويل المقارنة إلى ٱتهام مجاني.
لكن، في المقابل، لا يجوز أيضا أن يصبح هذا الٱختلاف لغزا دائما».
فالعدالة الضريبية لا تعني أن الجميع يدفعون الضريبة، وإنما تعني أن من تتوفر فيه الشروط القانونية نفسها يعامل وفق القواعد نفسها، وأن من يختلف وضعه القانوني عن غيره يعرف لماذا ٱختلفت معاملته.
وهذا هو جوهر دولة القانون.
فإذا كانت الضريبة مستحقة، فلتقل الإدارة ذلك صراحة، ولتضع أمام الجمعية النص القانوني الذي يجعلها خاضعة، ولتشرح لها كيفية ٱحتساب المبلغ.
وإذا كانت الجمعية تستفيد من إعفاء، فليحدد لها أساس ذلك الإعفاء.
أما أن يصل الإشعار حاملا رقما ومهلة وتهديدا بإجراءات التحصيل الجبري، بينما يظل الأساس الذي بني عليه الإخضاع غامضا بالنسبة إلى المعني بالأمر، فهنا يصبح السؤال مشروعا، بل ضروريا، وليس في الأمر أي عداء للإدارة الضريبية.
بل على العكس تماما، إن الإدارة التي تطبق القانون بعدالة وشفافية ينبغي أن تكون أول من يرحب بالسؤال، لأن الجواب بسيط:
«هذه المادة القانونية، وهذا هو سبب الإخضاع، وهذا هو أساس الٱحتساب، وٱنتهى الأمر».
أما أن يطلب من جمعية رياضية محدودة الإمكانيات أن تؤدي مبلغا ماليا دون أن تفهم بوضوح لماذا أخضعت، فذلك لا يخدم لا الإدارة ولا الجمعية ولا صورة العدالة الجبائية.
ثم إن المسألة ليست في قيمة (أربعة آلاف درهم) فقط.
قد يبدو المبلغ بسيطا بالنسبة إلى مؤسسة كبيرة، لكنه قد يكون ثقيلا على جمعية رياضية تعيش على واجبات الٱنخراط، ومساهمات المنخرطين، وبعض الإمكانيات المحدودة، وتحاول توفير فضاء رياضي للشباب والأطفال والمدربين.
والأخطر من المبلغ هو ما قد يترتب عن عدم الأداء من إجراءات تحصيل، خصوصا أن الإشعار نفسه يحيل على مسطرة التحصيل الجبري للديون العمومية.
لذلك فإن المطلوب ليس التهرب من الضريبة، ولا البحث عن ٱمتياز خارج القانون، ولا مطالبة الإدارة بغض الطرف عن أي مستحقات… المطلوب هو الوضوح.
فالذي يطلب من المواطن والجمعية ٱحترام القانون، يجب أن يمنحهما في المقابل حق معرفة القانون الذي طبق عليهما.
والذي يفرض الضريبة، يجب أن يستطيع تفسير سبب فرضها.
والذي يعفي، يجب أن يستطيع تفسير سبب الإعفاء.
هكذا فقط تصبح العدالة الضريبية مفهوما حقيقيا، لا مجرد عبارة جميلة تكتب في التقارير.
والأغرب في المشهد أن الجمعيات الرياضية كثيرا ما تستدعى للقيام بدورها في تأطير الشباب، ومحاربة الفراغ، وتشجيع ممارسة الرياضة، والمساهمة في الحياة الإجتماعية، ثم تجد نفسها أمام واقع إداري ومالي قد يجعلها تتساءل:
– هل نحن شركاء في خدمة المجتمع عندما يطلب منا العمل، ومقاولات عندما يطلب منا الأداء؟!
لا أحد يطالب بوضع الجمعيات فوق القانون، بل المطلوب عكس ذلك تماما:
«وضعها تحت القانون الصحيح، وتطبيقه عليها كما يطبق على غيرها».
ومن هنا فإنني، حرصا على المسؤولية الصحفية، لا أذكر ٱسم الجمعية المعنية، ولا ٱسم أي مفوض قضائي أو موظف له علاقة بالملف، لأن القضية ليست قضية أشخاص، ولا ينبغي أن تتحول إلى تصفية حسابات أو تشهير.
القضية قضية مبدأ تستحق أن تناقش بهدوء، ولكن بجرأة.
فإذا كانت الجمعية مطالبة فعلا بأداء الضريبة، فلتؤدها وفق القانون، وليتحمل كل طرف مسؤوليته.
وإذا كانت هناك شروط للإعفاء تنطبق عليها، فليحترم ذلك الإعفاء.
وإذا كانت هناك جمعيات أخرى في الوضعية القانونية نفسها، فليكن المعيار واحدا.
أما أن يقال للجمعية:
«ٱدفعي لأن القانون يقول ذلك»، ثم عندما تسأل:
«أين يقول القانون ذلك؟» يسود الصمت، فهنا لا تعود المشكلة في الضريبة، وإنما في طريقة فهم المواطن للقانون وثقته في عدالته.
إن القانون ليس شبكة ترمى في الماء فتلتقط السمكة الصغيرة وتترك الحوت يسبح مطمئنا.
وليس من العدالة أن يكون شديدا مع من يسهل الوصول إليه، ومرنا مع من يصعب الٱقتراب منه.
القانون قانون، والضريبة ضريبة، والإعفاء إعفاء، والمساواة ليست شعارا للٱستهلاك في المناسبات.
وإذا كان إخضاع الجمعية صحيحا، فليكن صحيحا بالدليل والنص والتعليل.
وإذا كان غير صحيح، فلتتم مراجعته.
أما أن تبقى المسألة معلقة بين إشعار ضريبي بقيمة (أربعة آلاف درهم)، وبين سؤال بسيط لا يجد جوابا واضحا، فهنا يحق لنا،
كصحافة، أن نسأل دون مواربة:
– هل القانون يسود على الجميع… أم أن بعضنا فقط هو الذي يعرف طريقه إلى صندوق الأداء؟