السياسة تختبر حيث يعيش المواطن لا حيث توزع المناصب

لم يعد المواطن المغربي اليوم ينظر إلى العمل السياسي من زاوية الأسماء والإنتقالات الحزبية وحدها، كما لم تعد الشعارات الإنتخابية كافية لإقناعه… فبعد سنوات من النقاش العمومي حول إرتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة، أصبح المواطن أكثر إهتماما بما يمكن أن يلمسه في حياته اليومية، وأقل إكتراثا بمنطق المناصب والمواقع.

وخلال اللقاء التواصلي الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة بأكادير ، إكتسب تصريح فوزي لقجع أهمية خاصة، بعدما أكد أن إلتحاقه بالحزب لم يكن بحثا عن منصب سياسي أو وظيفة، وإنما جاء إنطلاقا من قناعة ورغبة في المساهمة في العمل الحزبي وخدمة الشأن العام ، هذه التصريحات تضع النقاش في مكانه الصحيح ، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام سؤال أكبر ماذا ينتظر المواطن من كل من يدخل اليوم إلى العمل السياسي ؟!!!!! …..
فالمواطن لا يبحث فقط عن مسؤول لا يسعى إلى المنصب من أجل المنصب ، وإنما ينتظر من يصل إلى مواقع المسؤولية أن يكون قادرا على الدفاع عن مصالحه ، وتحسين ظروف عيشه ، وحماية قدرته الشرائية ، والتعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية بمنطق المسؤولية والنتائج.

لقد تغيرت أولويات المواطن ، فالحديث عن المواقع السياسية لا يعني له الكثير إذا كان دخله لا يواكب إرتفاع تكاليف المعيشة ، وإذا ظلت أسعار عدد من المواد والخدمات تشكل ضغطا متزايدا على الأسر.

فالمواطن يريد سياسة يشعر بنتائجها في السوق ، وفي فاتورة الكهرباء والماء ، وفي تكاليف النقل والتعليم والصحة والسكن ، وفي كل ما يرتبط بشكل مباشر بحياته اليومية.

و دخول أي شخصية إلى العمل الحزبي ينبغي ألا يقاس فقط بماضيها أو بمكانتها أو بموقعها داخل الحزب ، وإنما بما تستطيع أن تقدمه من أفكار وحلول ومواقف واضحة تجاه القضايا التي تؤرق المواطن ،فالمنصب في التصور الديمقراطي، ليس مكافأة شخصية ، وإنما مسؤولية عمومية والوصول إلى موقع القرار لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل وسيلة لخدمة الصالح العام ،ولذلك فإن المواطن الذي تابع تصريحات لقجع قد يتقبل فكرة أن الرجل لا يبحث عن منصب، لكنه سيظل ينتظر الإجابة عن السؤال الأهم إذا وصلتم إلى مواقع القرار ، ماذا ستفعلون من أجل المواطن؟!! هل ستدافعون عن قدرته الشرائية؟ هل ستعملون على الحد من إرتفاع الأسعار؟
هل ستدافعون عن الطبقات المتوسطة والهشة؟ وهل ستظل القرارات الإقتصادية والاجتماعية مرتبطة بمنطق حماية المواطن!!!!!، أم أن المواطن سيجد نفسه أمام سياسات تزيد من أعبائه؟ فليس المطلوب من السياسي أن يعد الناس بأن كل شيء سيصبح أرخص ، ولا أن يقدم حلولا سهلة لمشاكل إقتصادية معقدة ، وإنما المطلوب أن يمتلك رؤية واضحة، وأن يتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي يشارك في صياغتها أو الدفاع عنها ، والمغربي اليوم لا يريد أن يرى شخصا يصل إلى منصب ثم يكتشف أن أول ما يتغير هو أسعار المنتجات الأساسية أو كلفة المعيشة، إنه يريد مسؤولا يتذكر، وهو داخل المؤسسة أن المواطن الذي أوصله إليها، ويضع مصلحته في صلب القرار العمومي ، وهنا لا بد من إستحضار تجربة قريبة ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية للمغاربة، فقد سبق أن قدمت وعود واضحة للمواطنين بشأن التحكم في أسعار المحروقات وتسقيفها، ومن أشهرها وعد نزار بركة بتسقيف أسعار المحروقات ، غير أن المواطن ظل ينتظر أن يرى لذلك الوعد أثرا ملموسا ، بينما إستمرت تقلبات الأسعار في إثارة الكثير من الجدل حول جدوى الوعود الانتخابية عندما تصطدم بواقع تدبير السياسات العمومية الكلامية والدرس الذي ينبغي إستخلاصه هنا أن المواطن لم يعد مستعدا لمنح ثقته بناء على الوعود وحدها فقد أصبح أكثر وعيا بالفارق بين ما يقال قبل تحمل المسؤولية وما يفعل بعد الوصول إليها ،فالمواطن لا يسأل فقط من وصل إلى المنصب؟ بل يسأل وبشكل أكثر إلحاحا ماذا سيفعل هذا المسؤول عندما يصل؟!
و إذا أصبح القرار السياسي في يده، فهل سيختار حماية المواطن أم تمرير إصلاحات قد يدفع ثمنها من دخله اليومي؟!!

Comments (0)
Add Comment