م.س : بيان مراكش
في عالم تدبير الشأن المحلي، لا تقاس قوة المؤسسات فقط بما تنجزه من مشاريع أو ما تصرفه من ميزانيات ، بل تقاس أيضا بقدرتها على إحترام القانون وصيانة القيم الأخلاقية التي تضمن نزاهة المرفق العمومي ، فحين يثور جدل حول وضعية موظف يجمع بين صفتين متعارضتين، فإن السؤال يتجاوز حدود الشخص المعني ليمس جوهر الحكامة الجيدة، ويضع رئيس الجماعة أمام إمتحان حقيقي بين صرامة القانون وهاجس الثقة .
فقد أثارت رسالة موجهة إلى السلطات المختصة بشأن الوضعية القانونية لموظف جماعي ، نقاشا واسعا حول مدى إحترام القوانين المؤطرة للوظيفة العمومية والتكليفات المرتبطة بالأوقاف، فالمراسلة المؤرخة في 29 ماي 2025، الصادرة عن عامل إقليم الحوز وكذا عن ناظر الأوقاف، تؤكد أن المعني بالأمر موظف بالجماعة الترابية تمصلوحت، ولا علاقة له بوظيفة رسمية تربطه بوزارة الأوقاف ،غير أن ممارساته اليومية ، تكشف عن شبهة الجمع بين مهمتين متعارضتين موظف بالجماعة، وفي الوقت نفسه موظف ب الأوقاف .
هذه القضية تطرح سؤالا مركزيا حول موقع رئيس الجماعة القروية تمصلوحت بإعتباره المسؤول الأول عن تدبير الموارد البشرية داخل الجماعة ،فالقانون التنظيمي للجماعات ينص بوضوح على أن الرئيس يتولى الإشراف الإداري على الموظفين، ويضمن إحترامهم لمقتضيات الوظيفة العمومية، وأي إخلال بهذا الالتزام قد يضعه في دائرة المساءلة، ليس فقط من الناحية الإدارية، ولكن أيضا من زاوية ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن السماح بإستمرار وضعية ملتبسة لموظف يزاول نشاطا موازيا خلال أوقات العمل الرسمية، يثير شكوكا حول فعالية آليات المراقبة الداخلية داخل الجماعة ، وإذا كان الموظف قد برر نشاطه بعقد وكالة بصفته وكيلا للتحصيل بأجر ، فإن ذلك يدخل في باب التنافي الوظيفي، ما يفرض على الرئيس إتخاذ موقف واضح إما تفعيل المساطر التأديبية، أو إحالة الملف على الجهات الوصية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات.
فالبعد الأخلاقي بدوره حاضر بقوة، إذ إن الجماعة الترابية ليست مجرد إدارة تقنية، بل مؤسسة عمومية يفترض أن تجسد قيم الشفافية وتكافؤ الفرص ، وأي تهاون في مثل هذه الحالات قد يضعف ثقة الساكنة في جدية المرفق الجماعي، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول نزاهة التدبير المحلي.
من هنا، يبقى السؤال مفتوحاً هل سيتحمل رئيس جماعة تمصلوحت مسؤوليته كاملة في مواجهة هذه الوضعية ؟! وهل سيبادر إلى إجراءات ملموسة، أم سيكتفي بإنتظار تدخل جهات أخرى ؟!
إن الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد فعلا مدى إلتزام المؤسسة الجماعية بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة،و الذي يشكل أحد أعمدة الدستور المغربي .
ولأن المملكة المغربية الشريفة ، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، قد إختارت طريق الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة كخيار لا رجعة فيه، فإن مثل هذه الاختلالات لا تجد مكانا لها في مؤسسات دولتنا الشريفة ، فالقانون فوق الجميع، والوظيفة العمومية أمانة لا تحتمل العبث أو الازدواجية ،إن صيانة المرفق العمومي وحماية ثقة المواطنين تظل مسؤولية مشتركة بين كل الفاعلين، ورئيس الجماعة في مقدمتهم، بما يجعل من هذه القضية محطة إختبار حقيقية لمدى الانخراط الفعلي في المشروع الإصلاحي للمملكة الشريفة ، التي لا تقبل بأي وجه من الوجوه أن يمس بسمعة مؤسساتها أو أن تفرغ قواعدها الدستورية من مضمونها .