✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
يحمل التاريخ السياسي المغربي في ثناياه محطات كبرى ومفاصل حاسمة، ظلت تداعياتها تلقي بظلالها على واقع المؤسسات التشريعية إلى يومنا هذا.
حين نتذكر شخصيات بحجم الدبلوماسي والمفكر الراحل “عبد الهادي بوطالب”، وما طبع مساره من ترؤس لمجلس النواب في مطلع السبعينيات ثم تقديم ٱستقالته في سياق سياسي محتدم، فإننا لا نستحضر الماضي لمجرد التوثيق، بل لنقيس مسافات التحول والتقاطع بين برلمان الأمس وبرلمان اليوم.
فبين برلمان نشأ في مخاضات دستورية وسياسية عسيرة، ومؤسسة تشريعية تعيش اليوم تحت قبة تتوزعها أحزاب وتحالفات حكومية ومعارضة، تتأتى المقارنة لتكشف عن بون شاسع في طبيعة النقاش، ورهانات التمثيلية، ووزن القرار السياسي.
في مرحلة السبعينيات، لم يكن البرلمان مجرد فضاء للتصويت على القوانين، بل كان محطة لصراع النخب السياسية والفكرية الكبرى حول طبيعة النظام الدستوري وصلاحيات المؤسسات.
عندما خاض “عبد الهادي بوطالب” غمار الإنتخابات وتولى رئاسة مجلس النواب، كان يمارس السياسة بمنطق المثقف ورجل الدولة الذي يزن الكلمات والمواقف بميزان الدستور والتاريخ.
لكن ذلك البرلمان، رغم ما ضمه من كفاءات وطنية فذة، كان محكوما بظروف ٱستثنائية وتجاذبات حادة جعلت من الإستقالة أو الإعفاء حلا دراماتيكيا لتدبير الأزمات السياسية الكبرى، إذ كانت المؤسسة تبحث عن شرعيتها وتثبيت أركانها في مشهد وطني شديد التعقيد.
أما البرلمان المغربي بصيغته الحالية، بغرفتيه، فقد قطع شوطا طويلا على درب المؤسساتية والتنظيم الدستوري، ليضم اليوم طيفا واسعا من الفاعلين الحزبيين والنقابيين والوجوه الإقتصادية والمهنية.
لكن، بالرغم من ٱتساع الصلاحيات الدستورية للبرلمان اليوم، إلا أن المتتبع للشأن العام يلاحظ مفارقة مؤلمة تتمثل في الهوة السحقية لمستوى النقاش السياسي والفكرى، حيث تحولت القبة التشريعية في كثير من محطاتها من فضاء للنقاش الرصين إلى ما يشبه (سوقا شعبيا) منمقا بالبدلات الرسمية والخطابات الإستعراضية التي يغيب عنها منطق البرهان ويحضر فيها منطق المزايدات والتباهي اللفظي الفارغ.
وغالبا ما يتحول البرلمان إلى مجرد فضاء مصادقة آلية على مشاريع القوانين القادمة من الحكومة، محكوما بمنطق الأغلبية البرلمانية المتراصة بدل نقاش عمومي جاد يلامس ٱنشغالات المواطن الحقيقية.
إن ٱستحضار تجربة قامة سياسية وفكرية بحجم “عبد الهادي بوطالب”، يضعنا أمام الحقيقة المرة.. فالجرأة السياسية والوفاء للمؤسسة ٱنقرضا في زمن تحولت فيه قبة الأمة إلى مقايضة ٱنتخابية رخيصة.
وحين تصبح المؤسسة التشريعية مجرد ديكور فصيح لشرعنة القرارات، وتتحول ردهاتها إلى مسرح هزلي للمزايدات والمنافع الضيقة، فإننا لا نكتب فصلا في الديمقراطية بل نوقع شهادة وفاة للضمير السياسي.
إن الوطن اليوم لا يحتاج إلى مؤسسات تمضغ الفراغ وتستهلك الميزانيات على وقع الخطب الشعبوية البائسة، بل يحتاج إلى رجالات دولة يملكون شجاعة الإنسحاب أو قول الحقيقة حين تختل الموازين، فالتاريخ لا يرحم العابثين بمقدورات الأمة، والمجتمع لن يطيل الصبر على مهزلة برلمانية تباع فيها قضاياه الكبرى في سوق الباطل المنمق!