بفضل سياسة تعميق الإصلاحات، التي اتبعتها الحكومة، تمكن الاقتصاد الصيني من اجتياز عام 2016 على أرضية ثابتة ودلالات مشجعة على تحقيق معدل النمو المرسوم، مكذبا بذلك كل التوقعات المتشائمة.
وخلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة، حقق الاقتصاد الصيني، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، نسبة نمو بـ 7ر6 في المائة، وأصبح أكثر استقرارا من النصف الأول، بينما تراوح مستهدف النمو الذي وضعته الحكومة بين 5ر6 و 7 في المائة، على أساس سنوي.
وصرح مسؤول بمكتب المجموعة القيادية المركزية للشؤون المالية والاقتصادية بأن الحكومة ستركز على الإصلاح الهيكلي لجهة العرض، “نظرا لأن الاقتصاد بحاجة ماسة لحل المشاكل المستعصية وإيجاد قوة دافعة طويلة الأمد للنمو”.
وأوضح نائب مدير مكتب المجموعة، وهي مؤسسة رفيعة المستوى لإعداد السياسات الاقتصادية في الصين، أنه “يمكن تلخيص المهمة الاقتصادية الكبرى في تعميق الإصلاح”، الذي بدأ في 2016 وشهد بعض التقدم، مشددا على ضرورة مضاعفة الجهود خلال العام المقبل.
وكان صناع القرار الاقتصادي قد اقترحوا، في نهاية 2015 ، إجراء إصلاح هيكلي من حيث العرض لحل مشكلة انعدام التوازن الهيكلي في اقتصاد البلاد، الذي يقر الصينيون بأنه دخل مرحلة جديدة تتسم بالانتقال من وتيرة نمو عالية إلى وتيرة متوسطة.
وبدأت السلطات تنفيذ خمس مهام تمثلت في خفض الطاقة الإنتاجية الزائدة وخفض المعروض من الوحدات السكنية وتقليص مستويات الديون وتكلفة الإنتاج وتدعيم الحلقات الاقتصادية الضعيفة.
كما أن اندماج الصين في الاقتصاد العالمي، فرض عليها تبعات الركود التي يواجهها هذا الاقتصاد، في الوقت الذي تدخل فيه الإصلاحات الهيكلية “منطقة المياه العميقة”.
وبرغم أجواء القلق هاته إلا أن بيانات مصالح الإحصاء الصينية الأخيرة تضمنت العديد من النقاط الإيجابية اللافتة للانتباه، مثل استمرار التحسن في الهيكل الصناعي بفضل ارتفاع القيمة المضافة لقطاع الخدمات مع بروز إمكانيات هائلة لتطوره في ضوء تدفق رأس المال الأجنبي، كما أن قطاع التصنيع التقليدي شهد تطورا جوهريا.
وفي ذات الوقت، تحول الاقتصاد الصيني بشكل أولي إلى نمط التنمية المنخفضة الكربون والخضراء، مع انخفاض استهلاك الطاقة بفضل التخلص من عدد كبير من الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة. الأكثر من ذلك، أنه في ظل عملية التحول الحضري، نشأت إمكانيات تنمية هائلة، خاصة في المنطقتين الوسطى والغربية، إذ يتوقع أن تصل نسبة التحضر بحلول 2030 ، إلى 70 في المائة، ما سيجلب فرصا استثمارية في قطاع العقارات وإنشاءات البنية التحتية، وتحديث هيكل الاستهلاك.
وقد أثنى صندوق النقد الدولي في تقريريه حول “آفاق الاقتصاد العالمي” و”استقرار القطاع المالي العالمي”، على أداء الاقتصاد الصيني، حيث رأى أن إصلاحات الحكومة قد حفزت النمو المتوازن، ودفعت قوى السوق إلى لعب دور أكبر، ما أدى لارتفاع قدرات الاقتصاد والنظام المالي على الحد من المخاطر.
وتوقع التقريران أن يتقلص الفارق في الدخل بين الصين والدول المتقدمة بـ 7 نقاط مئوية، خلال الخمس سنوات القادمة، مع الارتفاع المستمر للدخل في الصين.
وفي ذات الوقت، أكد مدير البنك الدولي على أهمية النمو الاقتصادي الصيني في تقليل نسب الفقر في العالم، مشيرا إلى أن الصين قد تمكنت خلال الثلاثين سنة الأخيرة من إخراج 700 مليون نسمة من الفقر، كما ساعدت من خلال الاستثمارات في تخفيف حدة الفقر بالدول الأخرى.
وبعيدا عن التجاذبات الجيواستراتيجية القوية، فإن العالم، الذى يعاني مشاكل اقتصادية عميقة، ينظر إلى الصين كقاطرة للنمو تسهم في جر الاقتصاد العالمي، مأملا في أن تواصل الاضطلاع بدور رئيسي في تعزيز الاقتصاد العالمي.
وتعد الصين من بين أكبر عشرة شركاء تجاريين لأكثر من مائة دولة في العالم. وإذا كان ناتجها المحلي الإجمالي لم يتجاوز 16 في المائة من الإجمالي العالمي، خلال 2015 ، إلا أن مساهمتها في الاقتصاد العالمي تجاوزت 25 في المائة.
وفي الوقت الذي يتم فيه تنفيذ هذه المهام، يخطط صناع السياسات لإصلاح جانب العرض في القطاع الزراعي وإنعاش الاقتصاد الحقيقي واستقرار قطاع العقار.
وشددت المجموعة القيادية المركزية للشؤون المالية والاقتصادية على أن “السعي للتقدم مع الحفاظ على الاستقرار” سيكون محور التخطيط الاقتصادي في العام المقبل مع اتباع سياسات مالية استباقية وسياسات نقدية حذرة، وذلك لأن الاستقرار “سيهيء بيئة سليمة للإصلاحات الهيكلية وتفادي المخاطر المالية”.
ولا يخفي الخبراء قلقهم بخصوص عدم ترسيخ أسس النمو المستقر للقطاع الصناعي، وارتفاع ضغوط تكلفة الإنتاج، ومرور القطاع بمرحلة التحول الهيكلي، حيث تبرز مشكلة فائض الإنتاج في القطاعات التقليدية، وتتزايد التحديات الناجمة عن ذلك.