إنارة تسلطانت بين الإكراهات الحقيقية وحسابات التدبير والصراع السياسي

0 437

أثار تسجيل صوتي منسوب إلى رئيس جماعة تسلطانت، يتم تداوله على نطاق واسع عبر مجموعات تطبيق «واتساب»، نقاشاً متجدداً حول واقع قطاع الإنارة العمومية بالجماعة، في ظل استمرار شكاوى عدد من المواطنين من أعطاب المصابيح وتأخر التدخل لإصلاحها.
وبحسب مضمون التسجيل المتداول، يتحدث رئيس الجماعة عن مجموعة من الإكراهات التي تعاني منها مصالح الجماعة في تدبير قطاع الإنارة العمومية، من بينها عدم توفر الجماعة، حسب ما جاء في التسجيل، على الكميات الكافية من المصابيح وقطع الغيار الضرورية لتعويض التجهيزات التالفة، إضافة إلى خصاص على مستوى اليد العاملة المكلفة بأشغال الإنارة العمومية.
غير أن النقطة التي أثارت استغراب عدد من المتابعين للشأن المحلي هي ربط هذا الخصاص بغياب رئيس إحدى الجمعيات، باعتبار أن هذا الأمر، وفق مضمون التسجيل، له تأثير على سير القطاع.
وهنا يطرح المتابعون سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن لقطاع حيوي، يرتبط بشكل مباشر بأمن وسلامة المواطنين، أن يصبح مرتبطاً بحضور أو غياب مسؤول عن جمعية؟
فالإنارة العمومية ليست نشاطاً جمعوياً، وإنما هي مرفق من المرافق التي تدخل ضمن مسؤوليات الجماعة، الأمر الذي يقتضي وجود منظومة إدارية وتقنية واضحة، وموارد بشرية مؤهلة، وبرمجة مسبقة لاقتناء المصابيح وقطع الغيار، فضلاً عن التدخل السريع لمعالجة الأعطاب.
ويرى منتقدون أن استمرار مثل هذه الإكراهات يطرح علامات استفهام حول طريقة تدبير المرفق، خصوصاً في ظل الحديث عن وجود نائب بالمجلس الجماعي مكلف بقطاع الإنارة العمومية، والذي يفترض أن يكون له دور واضح في تتبع القطاع والتنسيق مع المصالح الجماعية والوقوف على حاجياته.
ومن بين النقاط التي أثارت انتباه المتابعين أيضاً ما ورد في التسجيل من حديث يفهم منه أن المجلس لم يصادق على أي ميزانية خلال السنوات الأربع الماضية، وهي مسألة تستدعي، بحسب هؤلاء، التوضيح والتدقيق، خصوصاً أن معطيات متداولة داخل المجلس تشير إلى المصادقة على ميزانيات سنوات 2021 و2022 و2025 و2026 بالإجماع.
كما أن برنامج عمل الجماعة يتضمن، بحسب المعطيات المتداولة، توجهات للنهوض بقطاع الإنارة العمومية وتحسين خدماته، وهو ما يجعل استمرار الأعطاب والخصاص في التجهيزات والوسائل البشرية موضوعاً يحتاج إلى تفسير واضح أمام الساكنة.
ويطرح المتابعون كذلك مسألة سندات الطلب، باعتبارها إحدى الآليات القانونية التي يمكن للجماعة اللجوء إليها، وفق الشروط والمساطر الجاري بها العمل، لاقتناء عدد من المعدات وقطع الغيار والمصابيح الضرورية، متى كانت الاعتمادات متوفرة والإجراءات القانونية مستوفاة.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: لماذا توجد أعطاب في الإنارة العمومية؟ وإنما أيضاً: هل قامت الجماعة بكل ما يلزم قانوناً وإدارياً ومالياً لتوفير الوسائل الكفيلة بمعالجة هذه الأعطاب؟
فالساكنة لا تعنيها الخلافات السياسية بقدر ما تعنيها النتيجة على أرض الواقع: مصباح يشتغل، شارع مضاء، ودروب وأحياء آمنة ليلاً.
وفي المقابل، فإن تحميل المسؤولية للصراعات السياسية أو الحسابات الانتخابية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعطيل المرافق العمومية أو تأخير مصالح المواطنين. وإذا كانت هناك خلافات داخل المجلس، فإن مكانها الطبيعي هو المؤسسات وآليات التداول والمراقبة، وليس الخدمات الأساسية التي يستفيد منها عموم المواطنين.
إن واقع الإنارة العمومية بتسلطانت يحتاج اليوم إلى تشخيص مسؤول وشفاف، بعيداً عن تبادل الاتهامات، وذلك من خلال الكشف عن الاعتمادات المرصودة للقطاع، وحجم المصاريف المنجزة، وعدد المصابيح وقطع الغيار المقتناة، والموارد البشرية المخصصة للإنارة، ومدى تفعيل برنامج عمل الجماعة، وكذا الإجراءات التي اتخذتها الرئاسة لمعالجة الخصاص.
فالاختلاف السياسي حق مشروع، والمساءلة حق للمواطنين، لكن المرفق العمومي يجب أن يبقى فوق الحسابات السياسية.
وما تحتاجه تسلطانت اليوم هو تدبير فعال لقطاعاتها الحيوية، ومجلس قادر على تجاوز خلافاته، وتفعيل الاختصاصات الموكولة إلى كل عضو ونائب، حتى لا تتحول الصراعات السياسية إلى كلفة تؤديها الساكنة من جودة الخدمات الأساسية.
وفي انتظار توضيحات رسمية من رئاسة جماعة تسلطانت حول مضمون التسجيل الصوتي المتداول، تظل أسئلة الساكنة قائمة: من يتحمل مسؤولية تدبير قطاع الإنارة؟ وهل الخصاص حقيقي؟ وما حجم الاعتمادات المرصودة؟ ولماذا لم تتم معالجة الأعطاب في الوقت المناسب؟ وهل تم استنفاد جميع الآليات القانونية المتاحة للجماعة لتوفير المعدات وقطع الغيار؟
أسئلة تنتظر أجوبة واضحة، لأن الإنارة العمومية في النهاية ليست مجرد ملف انتخابي أو نقطة في جدول أعمال، بل خدمة عمومية يومية وحق من حقوق الساكنة في بيئة آمنة ومرافق جماعية تشتغل بكفاءة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.