سلطة الظل .

0 71

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في هذا البلد، لا تحتاج كثيرا من الذكاء لتفهم أن ما يعرض على الخشبة ليس هو كل العرض، وأن التصفيق الحار لا يعني بالضرورة أن الجمهور ٱقتنع، بل أحيانا فقط لأنه ٱعتاد أن يصفق… أو لأنه لا يرى ما يجري خلف الستار.

نحن أمام مسرح متكامل:
«ديكور محكم، ممثلون يتقنون أدوارهم، ونصوص تعاد صياغتها كل موسم بما يناسب المزاج العام».
أما المخرج الحقيقي، فلا يظهر في الصورة، لا يجري حوارات، ولا يخوض ٱنتخابات، لكنه وحده من يحدد متى ترفع الستارة ومتى يسدل الصمت.
في نشرات الأخبار، كل شيء يبدو تحت السيطرة:
«مشاريع تدشن، أرقام تتلى، ووعود توزع بسخاء يفوق أحيانا قدرة الواقع على الٱستيعاب».
أما في الشارع، قصة أخرى تروى:
«مواطن يطارد كرامته بين الإدارات، وشباب يقايض أحلامه بتذكرة في ٱتجاه واحد، وأسر تدبر (الستر) أكثر مما تدبر (العيش)».
الغريب أن اللعبة مكشوفة… ومع ذلك مستمرة.
الجميع يعرف أن هناك خيوطا تحرك من الخلف، وأن بعض الوجوه ليست سوى واجهة أنيقة لقرارات تطبخ في مطابخ لا تفتح أبوابها للعموم، ومع ذلك يستمر العرض، وكأن ٱتفاقا غير مكتوب يربط الجميع، أن نتظاهر بأن الأمور تسير بشكل طبيعي، وأن نغض الطرف عن التفاصيل التي لا داعي لفتحها.
الأكثر سخرية أن بعض من صعدوا إلى الخشبة يصدقون فعلا أنهم أبطال العرض، قبل أن يكتشفوا متأخرين، أن أدوارهم محددة سلفا، وأن هامش الإرتجال أضيق من أن يحدث فرقا.
فيتحول الحماس إلى حذر، والخطاب إلى تكرار، والطموح إلى مجرد بقاء في دائرة الضوء.
وفي الخلف، تستمر سلطة الظل في أداء وظيفتها بكفاءة باردة:
«لا تعادي أحدا بشكل مباشر، ولا تعلن عن نفسها، لكنها تضع لكل شيء سقفا، ولكل طموح حدودا، ولكل محاولة تغيير خطوطا حمراء غير مكتوبة، لكنها مفهومة أكثر مما ينبغي».
المواطن، في هذه المعادلة، ليس غائبا تماما… لكنه أيضا ليس حاضرا كما يجب.
يستدعى عند الحاجة، ويشكر عند اللزوم، ثم يعاد إلى مقاعد المتفرجين، حيث يطلب منه أن يثق، أن يصبر، وأن يصفق حين يطلب منه التصفيق.
لكن التاريخ لا يكتب بالتصفيق وحده.
فحين تطول المسرحية أكثر مما ينبغي، يبدأ الجمهور في طرح الأسئلة التي لا تعجب المخرجين:
– من يكتب النص فعلا؟
– من يوزع الأدوار؟
– ولماذا تتغير الوجوه بينما تبقى الحكاية نفسها؟

عندها فقط، يصبح الصمت مكلفا، وتتحول الكواليس من منطقة محرمة إلى موضوع نقاش.
وحين تصل الأسئلة إلى هذه الدرجة من الوضوح، لا تعود (سلطة الظل) قادرة على الإكتفاء بالإختباء… بل تجد نفسها، لأول مرة، مضطرة إلى مواجهة الضوء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.