“مراكش الحاضرة المتجددة”… 12 سنة من هدر الزمن السياسي.. فمن حوّل الورش الملكي إلى رصيد انتخابي رغم تعثر التنزيل؟

0 9٬537

✍️ بقلم: رشيد زلاغ

لم يكن مشروع “مراكش الحاضرة المتجددة” مجرد برنامج للأشغال أو تهيئة للشوارع والساحات، بل كان رؤية ملكية استراتيجية لإعادة بناء مدينة مراكش كحاضرة عالمية، تستمد قوتها من تاريخها العريق، وتستشرف مستقبلها عبر تنمية مندمجة تشمل المدينة ومحيطها الترابي، وتقوم على الجدية، والنجاعة، والشفافية، وتغليب المصلحة العامة.

أطلق صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، هذا الورش سنة 2014، ليكون نموذجا للتنمية الحضرية المندمجة. غير أنه، وبعد ما يقارب 12 سنة، لا يزال المشروع مفتوحا، مع استمرار تعثر عدد من مكوناته وتسجيل اختلالات في بعضها، دون الإعلان عن أجل نهائي لاستكماله.

وهنا يطرح السؤال بإلحاح: من يتحمل مسؤولية هدر 12 سنة من الزمن السياسي والتنموي؟ لأن هدر الزمن في المشاريع الاستراتيجية أخطر من هدر المال العام؛ فالمال يمكن تعويضه، أما الزمن الضائع فلا يعود، وثمنه تؤديه المدينة وسكانها في التنمية، والاستثمار، وفرص الشغل، وجودة العيش.

ويزداد هذا السؤال مشروعية إذا استحضرنا أن مراكش استفادت خلال السنوات الأخيرة من أوراش كبرى مرتبطة بالتحضير لكأس إفريقيا للأمم والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، وهي مشاريع فرضت تسريع وتيرة الإنجاز وتأهيل البنيات التحتية والمحاور الكبرى لاستقبال ضيوف المملكة من مختلف أنحاء العالم.

وقد أكد جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، في أكثر من خطاب، أن المغرب لا ينبغي أن يسير بسرعتين. غير أن الواقع يبين أن بعض المشاريع ذات الطابع الخاص تنجز في وقت قياسي، بينما تستمر مشاريع المصلحة العامة في دوامة التأخير، في تعارض مع مبادئ الجدية، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يطرح سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: أين هي الحصيلة الحقيقية للبرنامج الحكومي؟ وأين الوعود التي قدمتها الأحزاب المشكلة للحكومة للمغاربة في التشغيل، والسكن، والصحة، والتعليم، والطاقة، وحماية القدرة الشرائية، وغيرها من القطاعات الحيوية؟

فبدل تقديم حصيلة واضحة لما تحقق من البرنامج الحكومي، يلاحظ كثير من المتابعين خلطا بين الأوراش الملكية، والبرامج الحكومية، واختصاصات الجماعات الترابية، بما يجعل مشاريع أطلقت في إطار الرؤية الملكية تقدم أحيانا وكأنها حصيلة حكومية أو رصيدا انتخابيا، في حين أن لكل مؤسسة اختصاصاتها ومسؤولياتها التي ينبغي أن تحاسب عليها.

وعلى المستوى المحلي، يثار نقاش واسع حول طريقة تقديم هذه الأوراش، إذ يرى عدد من المتابعين أن هناك ميلا إلى احتساب مختلف المشاريع ضمن رصيد جهة سياسية واحدة، مع تراجع إبراز مساهمات باقي مكونات مجلس جماعة مراكش، ومجالس المقاطعات، وباقي المتدخلين. وإذا صح هذا الانطباع، فإنه لا ينسجم مع المقاربة التشاركية، ولا مع احترام التعددية داخل المؤسسات المنتخبة، بل يكرس صورة تغول سياسي يختزل العمل الجماعي في جهة واحدة، رغم أن التنمية مسؤولية مشتركة.

إن مراكش لا تحتاج إلى كثرة التدشينات وصناعة الصورة، بقدر ما تحتاج إلى احترام الزمن، والوفاء بالالتزامات، وإنجاز المشاريع داخل آجالها، لأن المدينة لا تقاس بعدد البلاغات، بل بما يتحقق على أرض الواقع.

والمراكشيون الأحرار ليست لهم ذاكرة السمكة، بل يحتفظون بذاكرة سياسية وتنموية، ويميزون بين الرؤية الملكية، والحصيلة الحكومية، والعمل الجماعي المحلي، ولا يمكن إقناعهم بأن مجهود مؤسسات متعددة هو إنجاز لطرف واحد أو رصيد انتخابي لجهة واحدة.

إن العودة إلى فلسفة “مراكش الحاضرة المتجددة” تقتضي إعادة الاعتبار لمبادئ الجدية، والشفافية، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتغليب المصلحة العامة على كل الحسابات السياسية والانتخابية.

فالأوطان تبنى بالإنجاز، لا بالاستحواذ على الإنجاز، ولا بخلط الأوراق بين ما هو ملكي، وما هو حكومي، وما هو جماعي. أما المواطن، فلا يمنح ثقته للشعارات، بل لمن يحترم الزمن، لأن هدر الزمن في تدبير الشأن العام أخطر من هدر المال العام.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.