البنية الدرامية: وصيّة تحت النار قراءة أدبية في قصيدة ( المتهم أبي ) للشاعر نصرالدين خيامي بلمهدي.

0 484

 

بقلم : خالد شريف*

النصّ مبني على شكل وصيّة موجّهة إلى الابنة “رغد”. اختيار الطفلة ليس تفصيلاً عاطفيًا، بل خيارًا استراتيجيًا واعيًا.
الأب لا يدافع عن نفسه أمام المجتمع، بل أمام المستقبل. أمام ذاكرة ابنته.
البنية الدرامية تتقدّم عبر أربع حركات واضحة:
اتهام المجتمع
ردّ الأب عبر إعادة تعريف الشتيمة
إعادة بناء صورته كرمز أخلاقي
تثبيت الموقف في وجه السقوط الجماعي
نحن لسنا أمام سرد حكاية، بل أمام بيان أخلاقي بصيغة شعرية. القصيدة لا تروي ما حدث، بل تعيد صياغة معناه.
لعبة إعادة تعريف الشتيمة
المفصل الأقوى في النص يتمثّل في هذا الانقلاب البلاغي:
“كان واطي
لأنه ما رضي يطاطي”
الشاعر لا ينفي التهمة، بل يقلب معناها.
الوضاعة هنا لا تعني السقوط، بل تعني رفض الانحناء.
وكذلك في قوله:
“كان عرص
لأنه ما رضي يعرّص”
الصدمة اللغوية مقصودة تمامًا. استخدام مفردة جارحة بلا تلطيف يمنح النص صدقًا خامًا. الشاعر لا يخشى اللغة السوقية لأنه يكتب عن سوق القيم.
هذه التقنية تُعرف بإعادة تأويل المعنى الاجتماعي:
الكلمة التي كانت أداة إدانة تتحوّل إلى شهادة براءة.
الشتيمة تصبح وسامًا أخلاقيًا.
الحقول الدلالية: الرأس، الجبل، الوقوف
النص مشحون بصور عمودية:
رافع راسه
جبل
واقف
ما ركع
وفي مقابلها صور أفقية أو سفلية:
حجر عالطريق
مداس
خروف
قطيع
المعركة ليست سياسية فقط، بل رمزية: معركة ارتفاع وانخفاض.
السؤال المركزي الذي يطرحه النص هو:
من هو العالي فعلًا؟
الذي انحنى ليعيش؟ أم الذي وقف وخسر؟
الأب كرمز… لا كشخص
الأب هنا لا يُقدَّم كفرد بيولوجي، بل كنموذج أخلاقي.
“كان شايل وطن… بقلبه وبفكره”
الوطن في النص ليس جغرافيا، بل عبئًا أخلاقيًا.
الشاعر يرسّخ صورة الأب كضمير فردي في مواجهة فساد جماعي.
هو ليس بطلاً أسطورياً، بل إنسان اختار ألّا يساوم.
المفارقة الكبرى: الاتهام شرف
عنوان القصيدة مفتاح القراءة.
المتهم يتحوّل إلى شاهد.
المتهم يصير معيارًا.
في زمن الرعيّة، الرفض جريمة.
القصيدة تقول بوضوح:
إذا كان الجميع راكعًا، فإن الواقف هو المتهم.
هي فلسفة مقاومة فردية، لا خطابًا شعاريًا.
لا هتاف فيها، بل ثبات.
الإيقاع واللغة
اللغة عامية ومباشرة، لكنها غير مرتجلة.
التكرار مدروس:
“أبوكي”
“يا بنتي”
“رفض”
هذا التكرار يعمل كتثبيت للهوية، كأن الأب يخشى أن تُمحى صورته بعد رحيله.
الجمل قصيرة، حادّة، أقرب إلى نَفَس وصيّة حقيقية.
غياب الزخرفة ليس ضعفًا، بل انسجام مع صرامة الموقف.
الخاتمة: لحظة الوقوف
“كان واحد
ضل واقف
لما الكل قرر يركع”
الخاتمة تختصر القصيدة بأكملها.
الفرد في مواجهة الكل.
الضمير في مواجهة القطيع.
لم يقل “بطل”.
لم يقل “مناضل”.
قال “واحد”.
وهنا تكمن قوة النص:
البطولة ليست أسطورية، بل أخلاق يومية.

* كاتب ومسرحي مغربي

قراءة نص القصيدة

المتهم أبي

بنتي رغد
خودي هالوصيّة
من أبوكي

أنا عارف…
راح يقولوا:
أبوكي كان واطي

وأنا أقول لك:
كان واطي
لأنه ما رضي يطاطي

راح يهمسوا باسمُه
شتايم في الضلمة
يقولوا: كان عرص

وأنا أقول لك:
كان عرص
لأنه ما رضي يعرّص
ولا يبيع وجهه في السوق

يا بنتي رغد

أبوكي حر
ودمّه مُر
مش كل اللي دمه مُر
يكون خاسر

أبوكي عاش
رافع راسه
ما كان حجر عالطريق
ولا مداس
ولا ظلّ عباب القصر

كان فقير
بس فقره ما كان عيب
كان شايل وطن
مش على كتافه
بقلبه
وبفكره

كان عنده ضمير
واقف زيه زي جبل
لا باع
ولا ساوم
ولا مدّ إيده لثمن
ولا اتاجر بوجع الناس

يا بنتي

يمكن يكتبوا عنه كلام
يمكن يعلّقوا صورته
على حيطان التهم

بس تذكّري:
أبوكي رفض
يكون خروف
في زمن الرعيّة

رفض يمشي
مع القطيع
ولو الطريق
كان أدفى

أبوكي اختار الشوك
على العشب المدهون

وإذا سألوك يوم:
مين كان أبوكِ؟

قولي:
كان واحد
ضل واقف
لما الكل قرر يركع

الشاعر ابوالغضب
نصرالدين خيامي بلمهدي
غزة 2020

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.