✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في السياسة، كما في الفيزياء، لا وجود للمصادفة حين تتكرر الظاهرة بالحدة نفسها والإتجاه ذاته.
وحين تتراكم الأسماء، وتتشابه الوقائع، وتتعدد الملفات، يصبح الحديث عن حالات معزولة نوعا من الكسل الذهني أو السخرية من ذكاء المواطن.
ليس من السهل على المتابع للشأن العام أن يبتلع فكرة أن تنظيما سياسيا واحدا قد تحول، في مخيلاتنا، إلى ما يشبه (أرشيفا حيا) لقضايا ثقيلة:
(مخدرات، تبييض أموال، فساد غذائي، رشوة، تزوير، وجرائم أخرى لا تحتاج إلى خيال واسع، بل إلى نشرة أخبار فقط).
هنا لا ندين، ولا نحاكم، فذلك من ٱختصاص القضاء، لكننا نسأل… والسؤال أحيانا أشد وقعا من الحكم.
العجيب في الأمر أن هذا الحزب، كلما ضاق به الخناق أخلاقيا، ٱتسعت شهيته سياسيا!
يطالب بالمزيد من المواقع، والمزيد من النفوذ، والمزيد من (الثقة)، وكأن ذاكرة المواطنين بطاقة ذاكرة معطوبة، أو كأن السياسة صارت فعل نسيان جماعي لا فعل محاسبة.
مطامع لا تنتهي، لكنها ويا للمفارقة.. لا تجد الإستجابة التي تشتهيها، لأن الواقع، مهما طال صبره، يرفض أن يخدع إلى الأبد.
السخرية هنا ليست في الوقائع، بل في الخطاب.
خطاب يتحدث عن الحداثة، بينما تحاصره رائحة الماضي.
يرفع شعار الأخلاق السياسية، بينما تتبعه ظلال الشبهات. يدعي القطيعة مع الفساد، في حين يبدو وكأنه يعاني من حساسية مزمنة تجاه أي عملية تطهير داخلية حقيقية.
الأخطر من كل ذلك، ليس وجود أسماء مثيرة للجدل، فالأحزاب كالمجتمعات لا تخلو من الإنحرافات، بل الأخطر هو الصمت، والتطبيع، ومحاولة تحويل الإستثناء إلى قاعدة، والفضيحة إلى تفصيل عابر.
هنا يصبح السؤال مشروعا وملحا:
– هل تم يوما، فتح نقاش جدي حول مصادر تمويل بعض الحملات الإنتخابية؟
– وهل يمكن للديمقراطية أن تتنفس في بيئة يشتبه في ٱختلاط المال السياسي بالمال القذر؟
إن شرفاء الحزب إن وجدوا، وهم موجودون بلا شك، أمام ٱمتحان عسير، إما مواجهة الحقيقة بجرأة، أو الإستمرار في لعب دور (الكومبارس الأخلاقي)، في مسرحية فقدت جمهورها.
أما المؤسسات المعنية، وعلى رأسها وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، فمطالبة بأكثر من المتابعة من بعيد.
مطالبة بطرح الأسئلة الصحيحة، في الوقت الصحيح، حماية لما تبقى من ثقة المواطن.
إن السياسة في جوهرها خدمة عامة، لا ملجأ للهاربين من المساءلة… وحين يتحول الحزب إلى عبء على فكرة الدولة بدل أن يكون رافعة لها، فإن السخرية السياسية لا تعود ترفا لغويا، بل تصبح آخر أشكال المقاومة السلمية.
لأن المواطن قد يصبر…
وقد ينسى…
لكنه في النهاية، لا يخطئ في العد.