✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
لم يعد من المقبول التعامل مع التقرير الذي قدمته السيدة «زينب العدوي»، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، بٱعتباره وثيقة تقنية عابرة أو إجراء مؤسساتيا روتينيا.
فمضامين هذا التقرير تكشف عن حجم ٱختلالات خطيرة في تدبير المال العام، وترسم صورة مقلقة عن واقع الحكامة العمومية، بما يرقى إلى مستوى الكارثة التدبيرية، التي تستوجب المحاسبة الصارمة وٱسترجاع الأموال التي تبخرت دون أثر ملموس.
التقرير لا يكتفي بعرض معطيات رقمية أو ملاحظات إدارية معزولة، بل يقدم تشخيصا عميقا لفشل سياسات وبرامج عمومية ٱستنزفت موارد ضخمة من خزينة الدولة، دون أن تنعكس إيجابا على حياة المواطنين.
مشاريع لم تكتمل، وأخرى أنجزت دون جودة أو نجاعة، وتجهيزات ٱقتنيت وبقيت حبيسة المخازن، وبرامج ٱجتماعية شابها ضعف الحكامة وسوء الإستهداف وغياب التتبع!
ما تكشفه «زينب العدوي» في تقريرها هو أن تبديد المال العام لم يعد ٱستثناء، بل أصبح نتيجة طبيعية لمنظومة تعاني من أعطاب بنيوية، على رأسها غياب المحاسبة، وضعف ربط المسؤولية بالجزاء، وٱستمرار نفس الممارسات رغم توالي التنبيهات.
فالتقارير السابقة للمجلس الأعلى للحسابات سبق أن دقت ناقوس الخطر، غير أن الواقع يؤكد أن كثيرا من تلك الملاحظات لم تجد طريقها إلى التصحيح أو المعالجة الجدية.
الأخطر في الأمر أن هذه الإختلالات لا تكلف الدولة أرقاما مجردة في الميزانيات، بل تحرم المواطن من حقوقه الأساسية.
فكل درهم ضاع بسبب سوء التدبير هو ٱقتطاع مباشر من حق المغاربة في تعليم جيد، وصحة لائقة، وخدمات عمومية تحترم كرامتهم… وهنا تتجاوز القضية بعدها المالي لتصبح مسألة ثقة في المؤسسات ومصداقية الخطاب الرسمي حول الإصلاح.
إن تقرير «زينب العدوي» يضع الجميع أمام سؤال جوهري:
– ما جدوى التقارير الرقابية إذا لم تترجم إلى قرارات حاسمة؟
– وما معنى الحديث عن تخليق الحياة العامة، إذا ظل الفشل بلا محاسبة، والهدر بلا مساءلة؟
دولة القانون لا تبنى بجودة التشخيص فقط، بل بجرأة تفعيل نتائجه، والمجلس الأعلى للحسابات، قام بدوره الرقابي كما يفرضه الدستور، غير أن الكرة اليوم في ملعب السلطة التنفيذية، والنيابة العامة، والمؤسسات المعنية، لتحويل هذه الخلاصات إلى مسارات واضحة للمحاسبة، وإلى إجراءات عملية لٱسترجاع المال العام.
إن منطق (عفا الله عما سلف) لم يعد مقبولا في مغرب اليوم، ولا يمكن الإستمرار في تبرير الفشل بسوء التنسيق أو نقص الكفاءات.
ما يجري هو إخفاق تدبيري ممنهج، يفرض تحديد المسؤوليات بالأسماء، وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية دون ٱنتقائية أو حماية للمواقع والنفوذ.
تقرير «زينب العدوي» يجب أن يشكل نقطة تحول حقيقية في علاقة الدولة بالمال العام، لا مجرد محطة جديدة في مسلسل التقارير المنسية.
نقطة يستعاد فيها الإعتبار للمحاسبة، ويسترجع فيها ما أمكن من الأموال المهدورة، وتراجع فيها جذريا طرق تدبير الشأن العام.
فإما أن نختار طريق دولة المؤسسات والمسؤولية،
وإما أن نستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها:
(تقارير صادمة، ٱختلالات متكررة، وأموال تضيع…)
وفي النهاية، التاريخ مثل المال العام، لا يرحم المفرطين.