عندما تُختَزل السياسة في الأشخاص، وملاحظات حول نهاية التجارب الحكومية في المغرب.

0 417

بقلم : ذ سعيد عطوش محلل دسياسي.

عندما تُختزل السياسة في الأشخاص، يصبح النقاش العمومي محدودًا في سؤال واحد: من المسؤول؟ وغالبًا ما يكون الجواب جاهزًا سلفًا: رئيس الحكومة. هذا ما يلاحظه أي متتبع للشأن العام في المغرب، خصوصًا عند نهاية كل تجربة حكومية أو في لحظات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
في أغلب الحالات، لا ينطلق النقاش من تقييم السياسات العمومية أو من تحليل السياق العام الذي اشتغلت فيه الحكومة، بل يتم التركيز على أسلوب القيادة أو الخطاب السياسي لرئيس الحكومة، وكأن تغيير الشخص كافٍ لتجاوز التعثرات.
من الناحية النظرية، يتحمل رئيس الحكومة مسؤولية تنفيذ البرنامج الحكومي وتدبير الشأن العام. غير أن الواقع يكشف عن تداخل في الأدوار وتعدد في مراكز القرار، ما يجعل تحديد المسؤوليات بدقة أمرًا معقّدًا. في مثل هذا السياق، يصبح من الأسهل توجيه النقد نحو الواجهة السياسية بدل الخوض في تفاصيل السياسات العمومية واختياراتها.
خلال السنوات الماضية، عرف المغرب تجارب حكومية متعددة، جاءت في سياقات مختلفة، بعضها حمل آمال الإصلاح، وبعضها واجه أزمات وضغوطًا اجتماعية. ومع اختلاف الظروف، يتكرر نفس السيناريو تقريبًا: تحميل رئيس الحكومة مسؤولية الفشل، وتقديم تغييره باعتباره الحل الأنسب لإعادة ترتيب المشهد.
جزء من هذا الوضع مرتبط بطبيعة التحالفات الحكومية نفسها. فالأغلبية، حين تتأسس على توازنات دقيقة، قد تتحول مع الوقت إلى مصدر توتر وتعطيل بدل أن تكون فضاءً للانسجام والتنفيذ. ومع ضعف الأحزاب وغياب النقاش الداخلي القوي، يجد رئيس الحكومة نفسه معزولًا سياسيًا حتى وهو في موقع المسؤولية.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل صورة النجاح أو الفشل. فالإيقاع السريع للأحداث، والرغبة في تبسيط النقاش، يدفعان نحو اختزال المشهد في أسماء ووجوه، بدل مناقشة السياسات بلغة الأرقام والنتائج.
في النهاية، يطرح هذا الواقع سؤالًا أعمق: هل تغيير الأشخاص كافٍ لمعالجة اختلالات بنيوية؟ أم أن الاستمرار في هذا المنطق لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس النقاش مع كل تجربة جديدة؟
إن الانتقال نحو ممارسة سياسية أكثر نضجًا يمر عبر تقييم السياسات العمومية، وتوضيح الأدوار، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل شامل، بدل الاكتفاء بتغيير الوجوه. دون ذلك، سيظل النقاش يدور في نفس الحلقة، مهما تغيّرت الأسماء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.