عكس الإتجاه»… حين تتحول القصيدة إلى شهادة اتهام.

0 377

 

 

بقلم : الكاتب المسرحي / خالد شريف

 

في قصيدته «عكس الإتجاه» يقدّم الشاعر نصرالدين خيامي بلمهدي نصًا احتجاجيًا مكثفًا، يتجاوز حدود البوح الشعري ليصبح شهادة اجتماعية وأخلاقية على واقعٍ مأزوم، اختل فيه الميزان، وانقلبت فيه القيم، وسار المجتمع — كما يشير العنوان — عكس مساره الطبيعي.

 

العنوان: دلالة الانحراف

 

يحمل العنوان شحنة رمزية عالية؛ فـ«عكس الاتجاه» لا يُقصد به مجرد مخالفة عابرة، بل هو توصيف لحالة عامة من الانحراف الفكري والأخلاقي والديني، حيث لم يعد الخلل استثناءً، بل صار هو القاعدة.

 

اللازمة… نداء الوطن الجريح

 

يتكرر في القصيدة نداء:

«الله… الله يا بلدي»

بوصفه لازمةً تشبه الدعاء والأنين معًا. هذا التكرار لا يؤدي وظيفة إيقاعية فقط، بل يعمّق الإحساس بالوجع الجماعي، ويؤكد أن الشكوى ليست فردية، بل وطنية شاملة. أما عبارة «هات وحكي يا معدي» فتستدعي صورة الحكواتي الشعبي أو الشاهد الصامت، وكأن الشاعر يطالب الواقع ذاته أن يعترف بجرمه.

 

مجتمع الحقد والأقنعة

تصوّر القصيدة مجتمعًا مأزومًا، تحكمه الريبة والعداء المتبادل، حيث:

> «ع بعض حاطين نواطر / والحقد مركب حوافر»

إنها صورة حيوانية قاسية، تُظهر الحقد كقوة فاعلة ومتحركة، لا كحالة نفسية عابرة. ويكتمل المشهد بازدواجية الوجوه:

> «في الوش ابتسامة / وفي القفا بالسانين»

وهي إدانة صريحة للنفاق الاجتماعي وتآكل الثقة بين الأفراد.

 

حين يُدفن الأمل

في واحد من أكثر المقاطع سوداوية، يعلن الشاعر موت القيم:

> «الكذب معشش تحت الباط»

«والأمل اندفن وركب الإحباط»

الكذب هنا لم يعد طارئًا، بل متجذرًا، يعشش في العمق، فيما يُقدَّم الإحباط كبديل قسري للأمل. إنها لغة مباشرة، لكنها صادمة، تعتمد على التشخيص لإيصال حجم الخراب.

 

الضمير المريض

يتناول الشاعر الضمير الجمعي بوصفه كيانًا مريضًا:

> «الضمير فيك انصاب / بوباء البلادة وتاه»

فالخطر، وفق النص، لا يكمن في الفقر أو القهر وحدهما، بل في بلادة الوعي، وضياع البوصلة الأخلاقية، والخروج عن المنطق والعقل.

 

الدين… بين الجوهر والتوظيف

من أهم ما يميز القصيدة أنها لا تهاجم الدين، بل تدافع عنه ضد تشويهه:

> «عرفنا الله بالعقل / حفظ حقوقنا بالعدل»

«وأول ما قال للهادي (إقرأ)»

يستحضر الشاعر «إقرأ» كقيمة معرفية وتحررية، في مواجهة التدين الشكلي الذي يبرر الظلم ويصادر الوعي.

 

سخرية مرة من واقع سياسي مختل

في مقطع ساخر لاذع، يصف الشاعر واقعًا تُشرعن فيه الرداءة:

> «الفساد الراعي الرسمي للرموز»

«وأما أنا وأنت حتة أراجوز»

هنا يبلغ النص ذروته النقدية؛ حيث يُختزل المواطن إلى أداة للفرجة، بلا تأثير أو قرار.

الإعلام، الحرية، والخرافة

تُختتم دائرة الإدانة بثلاثية قاتمة:

> «حرموكي الحرية»

«والكذب في صحافة»

«والعلم في الخرافة»

وهي خلاصة فكرية تختصر أسباب الانحدار: غياب الحرية، تزييف الوعي، واستبدال المعرفة بالوهم.

 

خاتمة مكشوفة… وصمت مخيف

تنتهي القصيدة بكشف اللعبة، لكن دون خلاص:

> «الملاعيب انكشفت / وأنا وأنت محلاك سر»

فالحقيقة معروفة، لكن الخوف يحول دون قولها. وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

خلاصة

«عكس الإتجاه» ليست مجرد قصيدة غاضبة، بل نص نقدي واعٍ، مكتوب بلغة شعبية مشحونة بالدلالات، يجمع بين السخرية والألم، ويقدّم رؤية أخلاقية جريئة لواقع مأزوم. إنها قصيدة تقول ما يخشاه كثيرون، وتضع القارئ أمام سؤال جوهري:

إلى متى سنسير عكس الاتجاه؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.