الجنون بوصفه وعيًا، والسؤال بوصفه جريمة قراءة تحليلية في قصيدة نصرالدين خيامي بلمهدي بقلم الكاتب المسرحي : خالد شريف.

0 511

«لهبيلة (صرخة الأولى)»:

الجنون بوصفه وعيًا، والسؤال بوصفه جريمة

قراءة تحليلية في قصيدة نصرالدين خيامي بلمهدي

بقلم الكاتب المسرحي : خالد شريف

1. تمهيد: لماذا هذه القصيدة ليست “نص تضامن” فقط؟
رغم أن الشاعر يقدّم القصيدة بوصفها قصيدة تضامن مع الرفيق الكاتب عزالدين المعزي، فإن النص يتجاوز منطق المناسبة. “لهبيلة” لا تكتب تضامنًا شخصيًا، بل تستثمر واقعة القمع لتفجير سؤال أوسع:
من يتكلم؟ من يصمت؟ ومن يدفع ثمن الكلام؟
القصيدة لا تدافع عن فرد، بل عن حق السؤال نفسه في فضاء يخاف من الأسئلة.
2. «لهبيلة»: ليست شخصية بل بنية
الخطأ الساذج هو التعامل مع “لهبيلة” كشخصية.
النص نفسه ينفي ذلك لاحقًا:
ما هي دراكولا
ما هي ديكتاتور
ما هي إمبراطور
ما هي قنديل
لهبيلة ليست فاعلًا سياسيًا، ولا رمز سلطة، ولا حتى رمز خلاص.
إنها بنية صوتية ودلالية، تتجسّد كلما انكسر التوازن بين الكلام والصمت.
لهبيلة =
صوت حين يصبح الكلام خطرًا
وصمت حين يصبح الكلام مستهلكًا
وجنون حين يعجز العقل “العاقل” عن قول الحقيقة
3. العنوان الفرعي: «صرخة الأولى»
العنوان الفرعي بالغ الذكاء، لأنه:
لا يقول “الصرخة”
بل “صرخة الأولى”
وهذا يعني:
أن الصرخة لم تكتمل
وأن ما سيأتي أشد
وأننا أمام بداية انفجار لا نهايته
القصيدة واعية بأنها تمرين أول على العصيان اللغوي.
4. البنية الإيقاعية: جدل الدوي والسكتة
النص مبني على قطبين:
الدوات
السكتات
هذا ليس تزيينًا صوتيًا، بل ترجمة شعرية لحالة سياسية:
الكلام يدوّي
ثم يُقمع
ثم يعود أكثر توترًا
القصيدة تتنفس مثل كائن مراقَب:
تتكلم… ثم تتوقف… ثم تطرق الباب.
لهبيلة .. دقات ع الباب
الدقّ هنا ليس طلب إذن، بل إزعاج مقصود.
5. سؤال «شكون»: تفكيك المسؤولية
سؤال «شكون؟» هو العمود الفقري للنص.
لكن الشاعر يدمّره من الداخل:
من كثرت شكون
بقى حرف ‹ الخا › خ
هذه واحدة من أقوى لحظات القصيدة نقديًا.
السؤال يُستهلك حتى ينهار، وتتحوّل اللغة من أداة كشف إلى شاهد عجز.
الحرف «خ» هنا ليس بريئًا:
خوف
خيانة
خضوع
خواء
القصيدة تقول بوضوح قاسٍ:
نحن نعرف… لكننا لا نسمّي.
6. الصراع الأخلاقي: ليس بين خير وشر، بل داخل الإنسان
الثنائيات المتكررة:
بين بحر وبر
بين برد وحر
بين خير وشر
لا تُطرح كاختيارات، بل كـ حالة تعليق دائم.
الإنسان هنا ليس شريرًا ولا خيّرًا، بل معلّقًا أخلاقيًا، يتفرّج على نفسه وهو ينحدر.
وهنا تظهر قسوة النص:
القصيدة لا تتهم “السلطة” فقط، بل تتّهم القاعدة.
7. الفساد: حين يسقط الرمز
في مقطع:
رشاوي
محسوبية
سوطا ف القاعة
يسقط الشاعر القناع الرمزي، ويكتب بلغة تقريرية شبه فاضحة.
هذا مقصود.
كأن القصيدة تقول:
لم يعد الرمز كافيًا، القبح صار واضحًا لدرجة لا تحتاج استعارة.
لكن الذكاء هنا أن الشاعر لا يقف عند الإدانة، بل يسأل: لماذا أصبح هذا طبيعيًا؟
لماذا لم يعد الصمت عارًا؟
8. القنديل: موت العقل لا غياب النور
فلون الليل
هجر القنديل
القنديل لا ينطفئ… هو يُهجر.
أي أن المشكلة ليست في الظلام، بل في انسحاب الوعي طوعًا.
القصيدة تلمّح بمرارة: الناس لم يُجبروا فقط على الصمت،
بل تعلّموا العيش بدونه.
9. «لهيه»: نشيد التواطؤ الجماعي
تكرار “لهيه” يحاكي:
الهتاف
التنويم
التبرير الشعبي
تكتموا الدمع ف الكتاب
وتگولو: صبر هذا مكتاب
هذا أخطر مقطع في القصيدة، لأنه يفضح تديين الصمت وتحويله إلى فضيلة.
هنا لا يعود القمع سياسيًا فقط، بل ثقافيًا وأخلاقيًا.
10. النهاية: لا خلاص ولا بطولة
مشات…
أم مشات…
شات…
النهاية ليست غامضة فقط، بل مكسورة لغويًا.
حتى الفعل لم يكتمل.
لهبيلة قد تكون:
رُحّلت
أُسكتت
أو ذابت في الجنون العام
والقصيدة تترك القارئ مع أسوأ احتمال: أن لهبيلة لم تختفِ…
بل صرنا كلنا جزءًا منها.
خلاصة نقدية
«لهبيلة (صرخة الأولى)» ليست قصيدة سهلة ولا مريحة.
إنها نص:
يهاجم اللغة وهي تتواطأ
يعرّي الصمت وهو يتأنق
ويحوّل الجنون إلى أداة وعي
قصيدة لا تبحث عن التعاطف، بل عن المساءلة.
لهبيلة لا تطلب التضامن.
لهبيلة تسأل: لماذا سكتّم؟
وهذا سؤال لا يُجاب عنه شعرًا فقط،
بل موقفًا.

القصيدة:

لهبيلة ( صرخة الاولى )

قصيدة تضامن مع الرفيق الكاتب عزالدين المعزي

لهبيلة .. دوات
لهبيلة .. سكتات
لهبيلة .. دقات ع الباب
وقالت : شكون يلقا لينا لجواب
شكون يمشي على شوك التراب
ف خطواتي نمشي
و العقل ف الحساب
والليل حاير ف ظلامو
والقلب فدقات ليام
صاح : من ضفر لغدر عييت

لهبيلة قالت : اللي هضر
لهبيلة قالت : اللي صبر
لهبيلة قالت : اللي تغدر
لهبيلة قالت : اللي هجر
بين بحر .. وبر
بين برد .. وحر
بين خير .. وشر
بين سعد .. و زهر
بين شي ف العباد يشفر
وبين شي ع الكرسي مشمر

لهبيلة قالت :
شكون كذب شكون
شكون ورا الباب شكون
شكون يتحدة الخوف
ويتسلح ب الحروف شكون
شكون يهبش ع السر المدفون
شكون يطرد الذيب المجنون
شكون يريح لعقل المشطون
شكون قال : شكون
شكون سكت شكون
من كثرت شكون
بقى حرف ‹ الخا › خ
يمكن يكون خوف
يمكن يكون ( خ )
ف ضمير مسكون

ولهبيلة قالت :
تعكر النقا
و فاح الشقا
يمكن يكون .. فينا ‹ خ ›
يمكن يكون .. فينا ‹ ج ›
يمكن يكون .. فينا غدر
يمكن يكون .. فينا عذاب
يمكن يكون .. سؤال حتار ع الجواب
يمكن يكون .. هبال سارق هبال
سلكوه خداعة
وما سلكوه عقالة
سلكوه المفتونين هبالة
تجمد الضمير
و راس تدلى

لهبيلة قالت :
كيف وراق الطبلة
ف الفساد غرقين
سوطا ف القاعة رشاوي
و راي ف المحسوبية وتناوي
و الكابال قطع لحمارو الگصة
وقال : نهايتكم أ لحمير إلى تبدا
وقوفكم قمع
وجلوسكم دمع

لهبيلة .. دوات
لهبيلة .. سكتات
لهبيلة .. سلام
لهبيلة .. كلام
ما هي دراكولا
ما هي ديكتاتور
ما هي إمبراطور
ما هي تراكتور
ما هي قنديل
هي بداية ؟
هي نهاية ؟
شكون هي
هي .. هي
هي لهبيلة
حلت الباب
من مسلك لخيال
لهيه .. لهيه
لهيه .. نبكيوا على اللي مشى
ونعيشوا على اللي فات
لهيه .. لهيه
لهيه .. تكتموا الدمع ف الكتاب
وتگولو : صبر هذا مكتاب
لهيه .. لهيه
لهيه .. صورة مضرورة
كشفة العورة
لهيه .. لهيه
لهيه.. فلون الليل
هجر القنديل
لهيه .. لهيه
لهيه .. ف سوق العجب
ما كاين غير كب شقلب
لهيه .. لهيه
لهيه .. المسألة حتمية
ف جوف الخوف مخفية
لهيه .. لهيه
لهيه .. لكلام ما جا ف صميم
بين حرف ‹الخا ›
وحرف ‹ جيم ›
لهيه .. لهيه
لهيه .. المسألة منسية
ف سيدي سماعيل مجلية
لهيه .. لهيه
لهيه .. لهبيلة .. دوات
لهيه .. لهبيلة .. سكتات
لهيه .. لهبيلة .. جات
لهيه .. لهبيلة .. مشات
مشات ..
أم مشات ..
.. شات ..

للشاعر أبوالغضب
نصرالدين خيامي بلمهدي
زاوية سيدي اسماعيل 2010

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.