أصوات تحت الركام بقلم ذ.عبد اللطيف رقيق الفصل الأول: سليم والصمت

0 364

 

كان اسمُه سليم. في الخامسة فقط، لكن عينيه تشي بشتاءٍ ثقيل مرّ فوق سنواته القليلة. لم يعد ينطق منذ الليلة التي انهار فيها سقف البيت على صمت لم يعده أحد صوتًا.

أُخرج من تحت الركام ممسكًا بطرف ثوب أخته، لا يبكي ولا يصرخ، فقط يحدّق في الفراغ بعينين ثابتتين كأنهما بقيتا هناك، تحت الإسمنت المحترق.

أمّه تقترب وتكرر اسمه، لكنه لا يلتفت. يضع يده على أذنه حين يسمع هدير طائرة، كأن الصوت يَحفر فيه لا في السماء.

أخوه الأكبر، عمر، صار يتكلم بدلًا عنه:
“كان يلعب قبلها… كان يضحك… وكان يعرف أسماء الطيور.”

لكن سليم لا يرد. يضغط شفتيه بإصرار، كأن اللغة نفسها خانته ولن تسمح له بالعودة.

في المخيم، يظهر أطفال آخرون مصابون بصمت مماثل: طفل يهتز عند فتح الباب، طفلة ترفض لمس أي إنسان منذ أن سُحبت يد أمها، آخر يصرخ في نومه بلا صوت. الطبيبة المتطوعة تقول إنهم مصابون بـ”الخرس الصدمي”، لكنها لا تملك سوى دفتر ملاحظات ودمعة خلف جفنها.

أبوه، الذي فقد ثلاثة إخوة وبيتًا وعملاً، يجلس جواره يحاول أن يعلّمه الإشارة، أو أن يضحكه بصورة قديمة. أحيانًا يصدق أن سليم قد يبتسم، لكنه حين يرفع عينيه إليه، يكتشف أن الطفل ينظر إليه كما لو أنه ظلّ شخصٍ آخر بقي هناك.

في الليل، لا صوت إلا انفجار بعيد أو صف ناقلة عسكرية على الطريق الترابي. الأطفال الذين لم يعودوا يتكلمون، يلتفتون إلى الاتجاه نفسه في اللحظة نفسها، كأن الخوف بات اللغة الأخيرة التي فهموها من العالم.

الفصل الثاني: أمّ طلال والحوار الصامت

لم تكن أمّ طلال تعرف أن طفلًا قد يصمت حتى وهو يبكي.

تجلس عند مدخل خيمة في مخيم النصيرات، حولها ثلاثة أطفال نجوا من القصف: طلال، ابنة أختها رُبى، وطفل نازح أصبح يُسمّى “الولد اللي جاي من الشمال”.

لا أحد منهم يتكلم، لكنهم بدأوا حوارًا صامتًا:

طلال بعينيه نحو رُبى:
(هل ما زال بيتكم قائمًا؟)

رُبى تهز رأسها ببطء:
(لا بيت… فقط جدار واحد بقي واقفًا مثل شيء نسي أن يسقط.)

الولد القادم من الشمال يضم ركبتيه:
(أنا لم أرَ أبي حين أخرجوا الجثث… رأيت يده فقط.)

طلال يحرك أصابعه على التراب:
(كان عندي كرة حمراء… هل تذكرون اللعب؟)

رُبى تغمض عينيها ثم تفتحهما على مَشقة:
(أنا لم أعد أتذكر صوتي… كأن أحدهم حمله وهرب.)

الأم تراقبهم، لا تسمع حرفًا، لكنها تفهم كل شيء. تحاول أن تدعوهم للأكل، فلا يرفعون رؤوسهم، كأن الطعام آخر ما تبقّى مما لا يعنيهم.

في الليل، يدرك الأطفال أن أصواتهم لم تنتهِ، بل سُجنت في مكان أعمق من الفم، وأن الحوار بينهم لا يحتاج حنجرة.

الفصل الثالث: الطبيب المتطوّع وأم حسنية

في خيمة قرب دير البلح، كان الطبيب المتطوّع سامر يعمل بلا معدات كافية. الأطفال يجلسون في صمت، وأعينهم تتنقل بين وجوه مألوفة وأخرى جديدة.

أم حسنية، جدة فقدت ثلاثة أحفادها، بقي لها الرابع: آدم، في التاسعة، لكنه لا يتكلم منذ أن رأى إخوة قلبه يُسحبون بلا ملامح.

جلس آدم عند الحائط، ورافقه رامي الذي لا يزال يتكلم أحيانًا، فقال له:
“أخي… تعرف إنو لو حكينا، يمكن الدنيا تسمعنا؟”

هاشم لم يحرك شفتيه، لكنه رسم خطًا طويلًا بعصا صغيرة على الأرض.

الأم تراقب المشهد بعينين مشقوقتين، والأستاذ هادي يكتب في دفتره:
“بعض الصمت ليس انقطاعًا عن العالم… بل شهادة عليه.”

آدم لم يتكلم، لكنه حرّك شفتيه للمرة الأولى منذ شهور، كأن اللغة تستعد للرجوع بخطوة واحدة مكسورة.

الفصل الرابع: ليان وهاشم وحوار الصمت

في مدرسة مهدّمة قرب خان يونس، كانت ليان تجلس قرب شقيقها الصغير هاشم، الذي فقد سمعه.

دخلت المعلمة المتطوعة ريما، وبدأت جلسة الرسم والكتابة:

ليان بعينيها:
(أخونا اللي راح… كان ينده عليك بصوت عالي، تتذكر كيف كنت تضحك؟)

هاشم يطالع الأرض ثم يرفع رأسه نحوها:
(الصوت مش مهم… بس وينه؟)

رامي، يراقبهم بصوت منخفض:
“في ناس بترجع تحكي… بس في ناس أصواتها بتضل عند اللي مشي ومارجع.”

ليل غزة الطويل، والريح تحمل رائحة الرماد، لا يمنع الأطفال من التواصل بلغة الصمت والعيون واليدين.

الفصل الخامس: الأستاذ هادي ودفتر الغبار

داخل خيمة المدرسة الكبيرة، جلس الأستاذ هادي على الأرض مع الأطفال: آدم، ليان، هاشم، رامي، وطلال.
فتح دفتره المُمزق وقال لهم بصوت منخفض:
“كل واحد هنا يحمل لغة مختفية… لغات لم تبتلعها القذائف فقط، بل خُزنت في الصمت والعيون واليدين.”

جلس الأطفال يرسمون ويكتبون على التراب والورق، كل منهم بلغته الخاصة.

وفي النهاية، كتب الأستاذ على الدفتر:
“في هذه الأرض، هل سيأتي يوم يسمع فيه الجميع ما لم يستطع أحد نطقه؟”

ترك الدفتر على الطاولة، وغادر الخيمة ببطء. الأطفال ظلوا ينظرون إلى الفراغ، كل واحد يحاول أن يجد طريقه بين صمت ممتد وغبار لم ينته بعد…

النهاية

الصمت مستمر، والعيون تتكلم، والرياح تحمل ذكريات لم تُنسَ بعد. غزة تواصل يومها تحت الركام، والصغار يتعلمون لغة جديدة: لغة النجاة والصبر، ولغة الوجع الذي لا ينطق به أحد، لكن كل نظرة فيها حكاية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.