إدريس البوكيلي الحسني… حين يكتب الزمن سيرة أستاذ لا يشيخ

0 622

متابعة :   حامد الزيدوحي

بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة

ورزازات هذا المساء تلبس ثوبها الأنيق، وتفتح ذراعيها لابنها البار إدريس البوكيلي الحسني، الشاعر والناقد والمربي الذي جعل من الحرف وطنًا، ومن الذاكرة بيتًا يسكنه الجمال.
تحت شعار «ورزازات… ملتقى الذاكرة ومساحة للكلمة والإبداع»، يحتفي الصالون الأدبي في دورته الثانية عشرة (9–12 أكتوبر 2025) بهذا الاسم الذي لا يشبه إلا نفسه، في دورةٍ تحمل عبق مسيرته وتاريخه ووفاءه للأدب والمدينة.

 

 

القاعة تغمرها لحظة استثنائية. في الصفوف الأمامية يجلس أصدقاؤه ومحبو الكلمة: مولاي المامون المريني، فيصل الشرايبي، الحسين بلمومن، عبد الله حسيان، والفنان الجميل حسن شيكار… وجوه من عوالم الأدب والفن والفكر، اجتمعت كلها لتقول له ببساطة: شكراً لأنك جعلت الكلمة ظلاً لا يغيب.

أما أنا، فأقف بين الحضور لا كإعلامي ولا كمنتج ولا ككاتب سيناريو، بل كتلميذٍ ما زال يفتخر بأنه درس على يد هذا الرجل في ثانوية ابن زيدون بالدار البيضاء.
لم يكن أستاذًا للعربية فحسب، بل كان أخًا وصديقًا ورفيق دربٍ في أولى خطوات الحلم.
كان يزرع فينا الشغف بالكلمة، ويعاملنا كما لو كنا أبناءه لا طلابه.
وحين قدّمتُ إحدى مسرحياتي مع فرقة الأطلس بعين الشق، كان بين الجمهور، يراقب بصمت الأب الذي يرى في تلميذه امتدادًا له، ثم كتب قراءة نقدية نُشرت في جريدة البيان.
ذلك المقال لم يكن مجرد ورقة، بل شرارة… أضاءت لي الطريق نحو ما أصبحت عليه اليوم.

 

واليوم، أستاذي مكرَّم بين أهله، في المدينة التي احتضنته تلميذًا ومبدعًا، المدينة التي كتب عنها بدم القلب في كتابه الجميل «ورزازات التي تسكنني»، الذي قدّمه الكاتب إبراهيم مزوز بكلمات تنبض دفئًا وصدقًا:

«الكتاب احتفاء صادق بورزازات: مدينة وذاكرة وإنسانًا… نصوص تجعلنا نصغي إلى أصوات منسية وتحتفي بوجوه صنعت مجد المدينة، وتعيد للحياة دفء المكان وعبق الزمن.»

ذلك الكتاب يشبه صاحبه… صادق، مخلص، دافئ.
يكتب إدريس البوكيلي الحسني بورزازات كما يكتب العاشق عن معشوقته؛ لا يصفها، بل يعيشها بين السطر والنَفَس.
فهو كاتبٌ يحمل ورزازات في جيب قلبه، وأستاذٌ ترك في تلاميذه أثرًا لا يُمحى، وشاعرٌ يرى في الضوء معنى الوطن.

إنه أحد أولئك الذين لا يشيخون لأنهم اختاروا أن يعيشوا في اللغة، في الحلم، وفي قلوبنا.
واليوم، وهو يُكرَّم بين أصدقائه ومحبيه، يبدو المشهد أشبه بصفحةٍ من كتابه: دافئة، صادقة، ومليئة بالحنين.

تحية لك أستاذي… لأنك لم تكن مجرد أستاذٍ، بل كنت درسًا في الإنسانية، وعنوانًا للوفاء، وكلمةً جميلة لا تزال تكتبنا جميعًا.

ورزازات، وهي تكرمك اليوم، تكرم فيك ذاك الجيل الذي آمن بأن الكلمة قادرة على البناء لا الهدم، على التنوير لا الضجيج.
إنها لا تحتفي باسمٍ فحسب، بل تحتفي بروح مدينةٍ ما تزال تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، وتحتفظ لهم بمكانٍ في ذاكرتها كما تحتفظ السماء بنجومها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.