الخمر… متعة عابرة، دمار ممتد
بقلم أبو أمين”بيان مراكش” تحقيق
في زحمة المدن المغربية، حيث تصطف الحانات على جوانب الأزقة، وتزدحم المحلات بعلب البيرة والمشروبات الروحية، تتكرر الحكايات نفسها: بداية بلحظة متعة عابرة، ونهاية بليلة طويلة من الضياع. الخمر ليس مجرد مشروب كما يُسوَّق له في الإعلانات أو كما يُغنَّى له في بعض الأشعار القديمة، بل هو وقتٌ مأكول، وعلاقات مهدورة، وأسرٌ ممزقة، وأحيانًا حياة تُسلب في حادثة سير على قارعة الطريق.
صحيح أن الشعراء قد تغنّوا بالخمر عبر العصور، من أبي نواس في الأدب العربي، إلى هوراس في الأدب الروماني، وصولًا إلى الأدب الغربي حيث ارتبط النبيذ بالثقافة والاحتفالات. لكن هذا التصوير الأدبي يبقى وهمًا فنّيًا، بينما الواقع أثبت أن الخمر ليس رمزًا للحرية ولا وسيلة لتخفيف الهموم، بل مجرد وهم مؤقت، يترك خلفه آثارًا صحية واجتماعية خطيرة.
بين أبي نواس… ومرارة الواقع
لم يكن الشاعر العباسي أبو نواس يخفي ولعه بالخمر، بل جعله موضوعًا رئيسيًا في أشعاره. كان يرى في كأس النبيذ رمزًا للتحرر من القيود الاجتماعية، ومتنفسًا للهروب من ثقل الواقع. في قصائده، يتغنى بصفاء الكأس، وبهجة الجلسة، وما تمنحه لحظة الشراب من نشوة عابرة.
لكنّ المتأمل في سيرته يدرك أن حياة أبي نواس لم تكن كلها متعة وانشراحًا، فقد عرف الرجل السجون، والندم، وتقلب المزاج بين السكر والصحو. تجربة الخمر عنده لم تكن سوى انعكاس لصراع داخلي بين التمرد والبحث عن ملاذ من واقع مضطرب.
واليوم، بعد قرون، لا تزال التجربة تتكرر: كثيرون يظنون أن الخمر يحررهم من الهموم، فيسقطون في الدوامة نفسها. الفرق أن أشعار أبي نواس بقيت تُقرأ كأدب وفن، أما حياة الشارب المعاصر، فتبقى مثقلة بالمآسي العائلية، والأمراض، وحوادث الطرقات.
رحلة تبدأ بالشراء وتنتهي بالفوضى
رحلة الشراب لا تنتهي عند كأس البيرة، بل تُفتح معها أبواب السهرات الطويلة، حيث يختلط الصخب بالمجون، وتُساقط الأموال في جيوب المومسات وأصحاب الحانات، بينما تذوب الأسرة في غياب المعيل أو الأم التي لم تجد حضنًا صافيًا في البيت.
شهادات من الواقع
يصف “م.ع”، شاب في الثلاثينيات، رحلته مع الخمر قائلا:
“كنت أعتقد أن كأسًا أو اثنين قد يساعدانني على التخلص من همومي اليومية. لكنني فوجئت أن الأمر لا يقف عند الكأس، بل يتطلب وقتًا طويلًا: من رحلة الشراء، إلى الجلوس في الحانة، ثم العودة آخر الليل مثقلا بالسكر أو المشاكل… وإذا لم يقع لي مكروه في الطريق، أعود منهكًا وقد ضيعت يومًا آخر من حياتي.”
“كنت أظن أن الخمر سيجعلني أكثر مرحًا، لكنه جعلني أفقد عملي، وأسرتي، واحترامي لنفسي.” (م.ح – 42 سنة)
“الخمر سرق مني والدي، وأنا الآن لا أريد أن أسلك طريقه.” (طفل – 13 سنة)
خ.س”، سيدة أربعينية، تروي بأسى:
“زوجي لا يعود إلى البيت إلا في ساعات متأخرة من الليل. كل راتبه يضيع بين الحانات والسهرات، وأنا أتحمل مسؤولية الأطفال وحدي. ابني الأكبر صار يكره والده لأنه لم يجده يومًا بجانبه في لحظة يحتاجه فيها.”
مضار الخمر
حوادث السير…
لا يخفى على أحد أن نسبة كبيرة من حوادث السير المميتة مرتبطة بقيادة السيارات والدراجات تحت تأثير الكحول. الطريق بعد منتصف الليل شاهد يومي على دماء تُسفك، وحياة تُختطف في لحظة تهور، والسبب غالبًا “كأس إضافي” لم يكن في الحسبان.
قصير المدى: فقدان التركيز، ضعف التنسيق الحركي، احتمالية التسمم.
طويل المدى: تليف الكبد، أمراض القلب، الاكتئاب، القلق، والإدمان الذي يُسقط الإنسان في دوامة لا نهاية لها.
عاطفيًا: شعور مؤقت بالتحرر، يعقبه فراغ داخلي أعمق وأشد وطأة.
الخمر قد يُقدَّم كوسيلة للهروب من الواقع أو كأداة للراحة اللحظية، لكنه في الحقيقة أداة لتبديد الوقت والصحة والعلاقات. هو متعة عابرة تنقلب إلى دمار ممتد.
وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حديثه الشريف:
“لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها.”
الدرس واضح: ما يُباع على أنه “سعادة في كأس” ما هو إلا طريق نحو الهلاك.
هكذا يتحول الخمر إلى عدو صامت، يأكل العاطفة والحنان، ويزرع الجفاء في البيوت. كثير من الأطفال ينشأون في ظل آباء غائبين، لا يغيبون بأجسادهم فقط، بل بعقولهم ووعيهم.