عبد العزيز اللاجي-
في السنوات الأخيرة ظهر في المغرب مخدر جديد يعرف باسم “البوفا” أو ما يسمى بـ“كوكايين الفقراء”، وقد انتشر بسرعة كبيرة بين فئات المراهقين والشباب، خصوصا في الأحياء الشعبية والمناطق الهامشية. هذا المخدر رخيص الثمن مقارنة بالكوكايين الأصلي، وهو ما يجعله في متناول من لا يملكون إمكانيات مادية، لكنه في المقابل أشد خطرا على الصحة والنفس، إذ يدفع المستهلك إلى تكرار الجرعات بشكل متواصل بسبب قصر مدة تأثيره.
البوفا يحضر من بقايا الكوكايين عبر خلطها بمواد كيميائية مثل الأمونيا وبيكاربونات الصوديوم قبل تسخينها للحصول على شكل مسحوق أو بلورات قابلة للاستنشاق أو التدخين. وبسبب هذه العملية البدائية يصبح أكثر سمية، فيترك آثارا مدمرة على القلب والأعصاب، ويرفع ضغط الدم بشكل خطير، كما قد يؤدي إلى سكتات دماغية وموت مفاجئ. نفسيا، يدخل المتعاطي في دوامة من الهلوسة والاكتئاب والعدوانية، ويزيد من اضطرابات النوم وفقدان التركيز، مما يجعله عرضة للجريمة أو الانتحار.
أرقام الموقوفين وقضايا الترويج والاستهلاك تكشف حجم الظاهرة. فبين سنتي 2022 و2024 تمت معالجة ما يقارب 878 قضية متعلقة بالبوفا، أسفرت عن توقيف حوالي 1100 شخص ومصادرة أكثر من 18 كيلوغراما من هذه المادة. وفي مدينة الدار البيضاء وحدها جرى تسجيل أكثر من 250 قضية خلال أقل من سنتين، مع توقيف 324 شخصاً بينهم قاصرون وفتيات، إضافة إلى حجز ما يقارب 3,7 كيلوغرام من المخدر. مدن أخرى مثل طنجة والجديدة عرفت بدورها مداهمات وتوقيفات لمروجين، خصوصا في ضواحي مولاي عبد الله بولاية الجديدة، ما يؤكد أن الخطر لم يعد مقتصر على العاصمة الاقتصادية فقط، بل تمدد إلى مناطق مختلفة من البلاد.
هذا الانتشار السريع خلق حالة من الخوف داخل الأسر، حيث يرى كثيرون أن المخدر يهدد مستقبل أبنائهم ويقوض فرصهم في التعليم والعمل ويزرع الجريمة في الأحياء. بعض العائلات المتضررة طالبت بتشديد العقوبات على المروجين إلى حد الإعدام، فيما يؤكد الأطباء أن كلفة علاج المدمنين وإعادة إدماجهم باهظة جدا، وأن الظاهرة تفرض مقاربة شمولية تقوم على الردع الأمني من جهة، والتوعية والعلاج من جهة أخرى.
الحل يكمن في تكثيف المراقبة الأمنية وتفكيك الشبكات التي تتاجر بهذه المادة، وتشديد العقوبات القضائية، إلى جانب تنظيم حملات تحسيسية في المدارس والجامعات، وفتح مراكز علاج وتأهيل خاصة بالمدمنين، مع توفير دعم نفسي واجتماعي يتيح لهم فرصة الخروج من دائرة الإدمان. كما أن إشراك الإعلام والمجتمع المدني يبقى ضروريا لمواجهة ما أصبح يوصف بـ“الخطر الأسود” الذي يهدد النسيج الاجتماعي في المغرب.