دوار بوعيشة المرابطين بقيادة سعادة ضواحي مراكش .. حين يتحول النفوذ إلى بوابة للاستيلاء على الأراضي واستنزاف الموارد

0 3٬532

عزيز -ل /بيان مراكش-

في ضواحي مدينة مراكش، وتحديدا في دوار بوعيشة المرابطين التابع لجماعة وقيادة سعادة، تتشكل ملامح أزمة مركبة عنوانها الأساسي هو التراخي في تطبيق القانون، واستغلال النفوذ، والسكوت عن ممارسات مشبوهة بدأت قبل حوالي عقدين من الزمن ولا تزال آثارها تتفاقم حتى اليوم.

ما يحدث في هذه الرقعة الجغرافية ليس مجرد تجاوزات عابرة، بل هو نموذج مصغر لخلل أكبر في منظومة الحوكمة الترابية، حيث تسير قضايا الأراضي السلالية والمياه الجوفية في اتجاه معاكس تماما لمبادئ العدالة والمساواة والاستدامة.

تنازلات مشبوهة.. المدخل الرئيسي للاستيلاء

قبل نحو عقدين من الزمن، بدأت أولى خيوط التلاعب تتشكل في صمت، حين أُقحم عدد من الأشخاص النافذين في لوائح ذوي الحقوق في أراضي الجموع، اعتمادا على تنازلات مشبوهة تم التوقيع عليها بطرق ملتوية. هؤلاء لم يكونوا من ذوي الحقوق الأصليين، بل تسللوا إلى المنظومة مستغلين علاقاتهم ومساراتهم الإدارية والسياسية.

وقد مكنهم هذا الإدراج المزور من الحصول على أراض شاسعة، دون وجه حق، ليتحولوا لاحقا إلى “مالكين مفترضين” يتمتعون بكافة الامتيازات، بنوا فيلات وشيدوا مزارع على أنقاض حقوق الساكنة الأصلية.

حفر الآبار واستنزاف المياه تحت أعين السلطات

الاستيلاء على الأرض لم يكن سوى الخطوة الأولى. في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه المساحات المستولى عليها موقعا لحفر آبار مائية ضخمة تستخدم لري الهكتارات من المغروسات والمزروعات، دون أي ترخيص أو رقابة تذكر.

ورغم أن الوضع المائي في المغرب يمر بأدق مراحله، ومع الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة لمواجهة أزمة ندرة المياه، فإن ما يجري في دوار بوعيشة ينسف كل هذه الجهود. الآبار تغرق الفرشة المائية، في تحد واضح للمصلحة العامة، وكل ذلك في ظل تواطؤ أو صمت مريب من طرف وكالة الحوض المائي بمراكش والسلطة المحلية بقيادة سعادة.

توسيع المساحات سنويا.. والسلطة في موقف المتفرج

لم يقف الأمر عند حدود حفر الآبار، بل أصبحت الضيعات الفلاحية في هذه الأراضي غير القانونية تتوسع سنة بعد سنة، مع حفر عشرات الأمتار الإضافية بعمق الآبار العشوائية، وتبنى مرافق وسكنيات لذوي النفوذ، في غياب تام لأي مراقبة عمرانية حقيقية.

وعند ظهور بعض الأصوات الصحفية أو بعد زيارات مفاجئة من مسؤولي وزارة الداخلية، تسارع السلطة المحلية إلى تقديم التبرير الكلاسيكي أو “الكاسيطة القديمة”: “البناء قديم” وهو الشعار الذي أصبح يستخدم كذريعة للهروب من المحاسبة ومنع الهدم أو طمر البئر العشوائي.

البناء العشوائي في جنح الليل.. فيلات تنمو في صمت

المعطيات الميدانية تفيد بأن عددا من الفيلات الفخمة والمباني الحديثة قد شيدت في جنح الظلام، دون ترخيص أو احترام لقوانين التعمير. يتم استغلال الليل والغياب المريب للمراقبة لتثبيت أمر واقع يصعب تغييره لاحقا.

وما يزيد من خطورة هذه الوضعية، هو تحول بعض هذه الأبنية إلى ورقة ضغط من أجل الحصول على تعويضات مرتفعة في حالة تسوية الوضع العقاري أو عند تدخل الدولة لتصفية أراضي الجموع.

الحوض المائي بمراكش.. المسؤولية الثقيلة

يطرح تساؤل عريض حول دور وكالة الحوض المائي بمراكش في ما يجري بدوار بوعيشة المرابطين بضواحي مراكش. هل من المعقول أن تحفر آبار على مرأى ومسمع من الجميع، دون ترخيص، دون خرائط، دون دراسة أثر بيئي، ودون أدنى مساءلة؟

إن هذا الصمت، سواء كان متعمدا أو نتيجة تراخ، يعد مساهمة غير مباشرة في استنزاف مورد استراتيجي وحيوي كالماء الجوفي، والذي تحتاجه المنطقة برمتها، خصوصا في ظل تحديات التغير المناخي والجفاف.

بين صورة المغرب 2030 والواقع القروي القاتم

بينما تستعد المملكة لتنظيم كأس العالم 2030، وما يتطلبه ذلك من إبراز صورة حديثة، منظمة وشفافة أمام المنتظم الدولي، ما يجري في ضواحي مراكش يمثل تناقضا صارخا مع هذه الصورة.

إن انتشار البناء العشوائي، والاستغلال غير المشروع للأراضي، وحفر الآبار دون ترخيص، يعكس فشلا في فرض هيبة الدولة وتنزيل القانون على الجميع دون استثناء، ويهدد بشكل مباشر مبدأ التنمية المستدامة والعدالة الترابية.

نحو الحل.. دعوة لتدخل عاجل

لا يمكن الاستمرار في تجاهل هذا الواقع. المطلوب اليوم هو:

– فتح تحقيق رسمي نزيه في طريقة إدراج الأسماء بلائحة ذوي الحقوق.

– هدم جميع البناءات العشوائية التي لا تتوفر على تراخيص قانونية.

– طمر الآبار غير المرخصة التي تهدد الفرشة المائية.

– محاسبة المتورطين من داخل الإدارات، سواء تعلق الأمر بالحوض المائي أو السلطة المحلية.

– ضمان حماية أملاك الجموع من الاستغلال غير المشروع، وإعادتها لأصحابها الشرعيين.

وفي زمن أصبحت فيه الحكامة البيئية والعمرانية أحد مؤشرات نضج الدول، فإن السكوت عن هذه الممارسات بدوار بوعيشة المرابطين قيادة سعادة، يسجل كنقطة سوداء في سجل العدالة المجالية والتنمية المستدامة.
فهل يتحرك المسؤولون قبل فوات الأوان؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.