أضحية مراكش: حين يسقط الوالي وتبقى أسئلة المحاسبة معلقة

0 888

في منعطف رمزي وديني ذي أهمية بالغة، جاء قرار جلالة الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، بإلغاء شعيرة نحر الأضحية لهذا العام. لم يكن القرار مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان رسالة تضامن عميقة مع الشعب المغربي في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة وغلاء أسعار الأضاحي. وقد استقبل المغاربة هذا التوجيه الملكي السامي بتقدير كبير، واعتبروه تعبيرا عن التلاحم بين العرش والشعب، والتزاما وطنيا يعلو فوق أي اعتبار شخصي.
لكن في قلب مدينة مراكش، وضع هذا التوجيه الملكي الواضح على المحك. ففي مشهد رسمي موثق، أقدم إمام، بتكليف من المجلس العلمي المحلي، على نحر أضحية العيد بحضور والي جهة مراكش آسفي، فريد شوراق، ومسؤولين آخرين. لم تكن الواقعة مجرد خطأ فردي أو تصرف عفوي، بل بدت وكأنها محاكاة منظمة للشعيرة الملكية، في تحد صريح للبلاغ الصادر عن الديوان الملكي ولمقاصده السامية. وقد زاد من خطورة الموقف استخدام سيارة تابعة للوقاية المدنية لنقل الأضحية، مما يؤكد الطابع الرسمي والترتيب المسبق لهذا الإجراء.
جاء الرد الرسمي سريعا وحاسما في ظاهره، حيث تم إعفاء الوالي من مهامه. ورغم أن هذا القرار قد يبدو استجابة لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلا أنه في جوهره أثار تساؤلات أعمق حول نطاق هذه المحاسبة. فقد تم تقديم الوالي كـ”كبش فداء” في قضية تتشابك فيها مسؤوليات أطراف متعددة، بينما بقي الفاعلون الرئيسيون في المشهد بمنأى عن أي مساءلة.
إن التركيز على إعفاء الوالي وحده يغفل عن حقيقة أن قرارا كهذا لم يكن ليتخذه الوالي بمفرده، خاصة في سياق ديني حساس. وهنا تطرح الأسئلة الملحة:
المؤسسة الدينية: ما هي مسؤولية المجلس العلمي المحلي الذي كلف الإمام بإمامة الصلاة ونحر الأضحية؟ وكيف يمكن لمؤسسة دينية رسمية، من المفترض أن تكون الأكثر حرصا على تنفيذ توجيهات إمارة المؤمنين، أن تسمح بمثل هذا التصرف الذي يتناقض معها؟ ولماذا لم يتم التحقيق مع الإمام الذي باشر الفعل، أو مع المندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية؟
المسؤولون الإداريون: أين كان دور مدير ديوان الوالي، والمكلفون بالبروتوكول، ومسؤولو قسم الشؤون الداخلية بالولاية؟ إن تنظيم حدث رسمي بهذا الحجم يستدعي تنسيقا إداريا وأمنيا، وغياب أي محاسبة لهؤلاء المسؤولين يوحي بأن الخلل لم يعالج من جذوره.
إن ما حدث في مراكش يتجاوز كونه خطأ بروتوكوليا، إنه يمس بهيبة القرار الملكي وقدسيته، ويطرح إشكالية احترام التراتبية المؤسساتية في الدولة. فعندما يتم التعامل مع بلاغ صادر عن أعلى سلطة في البلاد بهذه الاستهانة، وتحت أنظار ممثلي السلطة المركزية، فإن ذلك يبعث برسالة مقلقة حول مدى جدية تطبيق القانون ومبدأ المحاسبة على الجميع دون تمييز.
لقد نحرت الأضحية وسقط الوالي، لكن ثقة المواطن في عدالة وشمولية المحاسبة هي التي تعرضت للذبح الأكبر. فالرأي العام لا ينتظر قرارات تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي بقدر ما يتطلع إلى تحقيق شفاف وشامل يحدد المسؤوليات بدقة ويحاسب كل من تورط في هذا التجاوز، سواء كان مسؤولا إداريا أو فاعلا في الحقل الديني.
ما لم تتم مساءلة جميع الأطراف المعنية، ستبقى واقعة مراكش سابقة خطيرة تكرس منطق الإفلات من العقاب، وتفتح الباب أمام اجتهادات شخصية ومؤسساتية تتعارض مع التوجهات العليا للدولة، مما يضعف من هيبة المؤسسات ويؤثر على ثقة المواطن في أن “الخطوط الحمراء” تطبق على الجميع، وأن مرجعية الدستور وسلطة إمارة المؤمنين فوق كل اعتبار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.