“الكرش” أو جنون الدُّوَّارة
بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
كشف تهافت الناس على الدوارة عن تدن كبير في فكر المواطنة لدى فئات عريضة من المجتمع، بدت بعيدة كل البعد عن القيم والمبادئ، التي تسهم في بناء مجتمع متكامل يسود فيه احترام مشاعر الآخرين، والمسؤولية تجاه المجتمع والوطن.
كما أسالت هرولة الناس، غير العقلانية لإشباع نزوة عابرة، لعاب الكثيرين وأذهبت فطنتهم، مما عرى شروخا عميقة على مستوى الوعي الجمعي، كشكل من أشكال المشاركة بين أفراد المجتمع، وكإدراك للقضايا المختلفة، التي يواجهها المجتمع، خصوصا في الأوقات الصعبة، فالأفكار التي تراود أذهان الناس سلاح ذو حدين، فإما أن تساعد في النهوض بالمجتمع، بإزالة العقبات التي تقف أمام تنميته، وإما العكس، لذلك يعتبر الوعي أحد الركائز الأساسية للتطور الاجتماعي والتقدم والنهضة، وقد يؤدي انعدام هذا الوعي الجمعي إلى انهيار المجتمع، وتفشي المشاكل المختلفة فيه.
لا داعي للخوض في أسباب هذا الانحدار في الحس الوطني، وإن كان التعليم يتحمل فيه الجزء الأكبر من المسؤولية، باعتبار أن الحيز لا يتسع للحديث عن هذا التدني المخيف في الفكر المواطناتي، فإن القرار الملكي الداعي إلى عدم ذبح الأضاحي هذا العام، نظرا للظروف الصعبة التي يمر منها المواطن ؛ شكل اختبارا قاسيا لوعي جمعي ضعيف لم يتحمل لحظة صادمة لتمثلاته، من قبيل إلغاء شعيرة ذبح الأضاحي هذا العام، ففضل الارتماء في أحضان شهوة جارفة لـ«الحولي» وما يرتبط به، مما لذ وطاب من شحم ولحم و«بولفاف» وغيره، وذلك على حساب مصلحة وطنية ملحة.
لا شيء يبرر هذا الاستسلام لشهوة مدمرة في لحظة حساسة في تاريخ أمة، فلا الدين، ولا الأخلاق، ولا الأعراف ولا التقاليد تسمح بذلك، فما يجري هو بمثابة رمي النفس في التهلكة، التي تحذر منها تعاليم الدين، خصوصا وأن غالبية المتهافتين على الكبش و«دوارته»، يرزحون تحت وطأة تبعات أزمة كورونا وتداعيات تضخم أنهك قدرتهم الشرائية المتهالكة أصلا، ومع ذلك يواصلون إغراق أنفسهم في ديون وتكاليف إضافية.
الغريب في الأمر أن الذين لا يتمالكون أنفسهم أمام إغراء “الكبدة” و”الرية” و”البورو” وما إلى ذلك من أطباق تسيل اللعاب، لجؤوا إلى أساليب أقل ما يقال عنها غبية لتبرير فعلتهم غير المسؤولة، للالتفاف على قرار ملكي استراتيجي، فهناك من لجأ إلى حيلة العقيقة، وآخرون اختبؤوا وراء عباءة “زردة” أو “صدقة”، وطرف ثالث ذهب أبعد، وقال إن الأمر يتعلق بسنة مؤكدة، لا بد من القيام بها كيف ما كانت الظروف، ولا أحد يريد أن ينظر إلى الأفق ويساهم في مجهود وطني كبير يبغي الحفاظ على مصالح البلاد والعباد، بسبب الأنانية المفرطة.
من هناك تكمن أهمية التعليم في بناء الإنسان المواطن، الذي يعرف ما له وما عليه، وما يقع هو مؤشر غير سار، وبالتالي ليس هناك أدنى شك أن تكون لما يجري انعكاسات وتداعيات على جهود الدولة الرامية إلى دعم المربين واستعادة توازن السوق، كما أن ما يحدث، اليوم، هو بمثابة خيانة جماعية لمستقبل القطيع الوطني، وضربا لتوجيهات سامية، جاءت أولا رأفة بالناس من جهة، ومن جهة أخرى، حماية لثروة حيوانية أنهكتها سنوات الجفاف المتتالية وقلصت من أعدادها إلى مستويات كبيرة.
فمتى سيفهم المغاربة أن التضحية الحقيقية هذه السنة ليست في ذبح الأضاحي، بل في الحفاظ على القطيع الوطني وإنقاذه من الزوال؟