آليات صناعة شعب غارق في غيبوبته ..للكاتب والناقد الأستاذ سعيد فرحاوي:

0 550

وحسب مجموعة من المؤشرات التاريخية والسياسية؛ يبدو لي أن الشعوب تصنع إرادتها ؛ كما تتحول وجهات تفكيرها صوب الرؤية والتصور الذي تريده القوة المتحكمة في زمام الأمور.؛مستغلة كل الوسائل الممكنة الخاضعة لوصايتها؛ كالاعلام والتعليم وبعض الممارسات الثقافية(الزوايا؛ المعتقدات الدينية المتشعبة في الجهل والخرافة؛ مع تأسيس مناسبات ترفيهية مسلعنة ومخدرة)؛ كما تقوم بتحريف التاريخ ليصبح ناطقا بمعلومات خاطئة ومضللة؛ تتبنى المؤسسات الموجهة لكل تفكير من شأنه ان يوجه الإنسان صوب الوجهة المرغوب فيها كفاعل يحرك التفكير في اتجاه واحد؛ ليصنع المواطن المضبع الذي لا يفكر؛ كما ينتج مواطنا يدافع عن الأطروحة الرسمية؛ رغم أنها لا تخدم حقوقه. لهذا فطبيعي جدا إن كنا نشتغل في مؤسسات تعطى فيها الصلاحية للتافهين والمهمشين؛ للأميين والانتهازين؛ للصوص والخونة الاهمية الكبرى لصناعة الأحداث ؛ لهذا فلا عيب إن كانت القوى الحية تباع وتشترى لتصبح قوى حيادية؛ لا يهمها ان تتكلم عن ما تفهم؛ وتصبح لغتها واضحة عنوانها شفاف ودال لا يخرج من دائرة المقولة المشهورة(ما كاينش معامن) او مقولة عمرت طويلا(دخل سوق راسك؛ سبق الميم ترتاح )؛ علما ان هناك طبقات لا يهمها مصلحة العامة؛ مادامت هي في وضع مريح يزداد هيجانها. في الدفاع عن الزيادات في المراتب والامتيازات؛ تناضل في النقابات لأنها مجال يسهم في الزيادة في الراتب الشهري والدخل المادي المريح؛ فتصبح الثقافة في نظرها وسيلة لخلق فضاءات سياحية للنشاط والترفيه؛ مختفية وراء قدرتها على تحليل وفهم النصوص؛ فتحرك شهيتها بالذهاب بعيدا في ملتقيات تنتجها وزارة تابعة للأطروحة العامة التي تسعى إعادة الانتاج والحفاظ على الوضع القائم.

من مميزات النظام العام المهيمن والمسيطر والتافه التحكم في كل انماط التفكير ؛ الذي يتشكل من ثقافة لها برامجها وتصوراتها؛ يتحكم فيها السياسي؛ الذي يعد العامل المحرك لكل التوقعات والتخمينات؛ كما يمثل النموذج الأصلح لصناعة شعب نائم وغائب كليا عن مجريات التاريخ الهادف؛ طبعا يحتكر كل الساحات الاقتصادية ليصبح سيد السوق؛ وبالسياسة يحرك الوعي حسب الاطروحة النموذجية التي تتكلم دائما عن تأسيس شعب رسمي يدافع ويتكلم عن نظام محتكر ومتحكم ومسيطر عن كل العقليات ؛ بهدف إعادة انتاج التاريخ؛ واستمرار الطبقة الحاكمة؛ بدون التفكير وتحليل وإدراك كينونتها المبنية على النهب والتجويع الرامي نحو النسيان والاهمال؛ فنصبح امام شعب غارق في غيبوبته التي طالها الزمن وعمرها التاريخ وتجاوزت الحدود.
ان سمات الشعوب الغارقة في غيبوبتها؛ ان الجل لا ينشغل إلا بالرياضة/خاصة كرة القدم؛، يخفي فيها نقصه؛وهي مجالات تشبع رغباته؛ فتجعله يتيه في عوالم لا تفيده لا من قريب ولا من بعيد؛ لهذا نجد الموضوع اليومي لا يخرج عن نطاق المشاركة في كأس العالم بقطر؛ كما ان جل نقاشه يظل محصورا في مصير المدرب الممكن لتدريب المنتخب الوطني؛ وهي فرصة يستغلها المكتب المسير ليزيد من تعميق متاهته و رغباته المشردة؛ طبعا بتوصيات من جهات عليا؛. والنموذج الحالي المتعلق بالمدرب البوسني يشكل اسمى هذه الامثلة التي تعري عن غيبوبة شعب لا علاقة له بالتغيير؛ كما يمكن ان نستحضر طلبات الشعب في زمن الربيع العربي الذي خرج إلى الشارع بشعار موحد الصوت يقول:الشعب يريد إسقاط (المدرب).

كما يمكن ان ننظر إلى هروب المثقف والمبدع من الانخراط في نسيج الدوامات المعقدة والمربكة التي يعيشها في محيطه؛ بأنها تشكل وجها آخر من وجوهه البئيسة الدالة عن غيابه التام في القيام بدوره المطلوب في الزمن المطلوب ليصبح وسيلة ضاغطة؛ كما يصبح فكرا معريا عن هذا التضبيب التي تمارسه الجهات الوصية لإنتاج إنسان غائب وملغى. فيصبح هذا المثقف يتباهى في المتلتقيات والمهرجانات والمناسبات الثقافية؛ معريا عن انبهاره الذاتي بذاته؛ لا يهتم ولا ينشغل إلا بذاته؛ يغازلها؛ يتباها بها؛ ينفخ فيها؛ في حين ما تبقى ليس سوى تابعين مرددين نشيد الولاء والتبعية؛ فنجده يتيه في عالم وواقعه يتحرك في عالم آخر؛ تزداد فرحته عندما يسيل لعابه وهو يتلقى ظرفا اصفر في داخله رصيد مالي لا يتعدى الف درهم؛ وقنينة خمر؛ وعشيقه تغني له قصيدة :
واصل تدخينك مااروعك..وهو يسبح في نشوة ذاته المنفوخ فيها إلى درجة أنه هو أحسن من كتب وأحسن من نطق حكمة؛ وأحسن ما أنتجه العلم والفكر والثقافة والإبداع التاريخي . تنتهي قصته بانتهاء موضوع الملثقى فيغير الوجهة صوب مراسلة هاتفية أخرى راجيا راغبا في تلقي دعوة المشاركة في موضوع آخر بعنوان آخر؛ ما يتغير سوى اسم الشخص المدروس اما المادة فهي عينها التي قرأها في الملتقى السابق؛ ليشتغل بصياغة كوبي كولي؛ مستعملا مفاهيم غليظة ومستغلا أسماء كبيرة ليستدل بها ؛ وهي دلالة على أنه هو الكبير العالم والمعلم و الفاهم .
من العلامات الأخرى التي يمكن التطرق إليها في هذا الباب هي كتابته عن الأسماء التي لا علاقة لها بالشعر؛ إن كانت امرأة يكفيه رضاها؛ اما إن تكرمت عليه بليلة شبقية تشبع هيجانه الحيواني فستزداد قيمتها ويكبر شأنها ويصبح لها موقع عظيم قل نظيره في تاريخ الفكر؛ والنتيجة هي تزكبة التفاهة والدفاع عن النص الخطأ وتزكية الاسم غير المناسب؛ طبعا ذلك على حساب الأسماء الحقيقية التي تعتز بشرفها وتؤمن ان الناقد الحقيقي هو الذي يكتب عن النصوص الحقيقية؛ بدون وصاية ولا وسيط؛ بمعنى النص الجيد هو الرابط بين المبدع والناقد؛ ولاعلاقة بينهما خارج هذه الحدود؛ ؛ فنصبح بذلك امام كتابة مهتمة ومناضلة في مجالها؛ هدفها هو الكتابة الحقيقية الوازنة والهادفة. امام من ذهب عكس ذلك يكون قد ساهم في تزكية الرداءة والكذب على الناس بكتابات مغلوطة؛ ستشهد عنه وعن تفاهته في تاريخ الفكر والابداع الذي لا يرحم .

ركزت على المثقف والنخبة السياسية لأنهما الطرفان الوصيان والمسؤولان عن كل هذه الجرائم الكبيرة التي تسهم في عملية صناعة غيبوبة شعب تائه بدون هوية؛ لأن هذا الأخير لا يملك من المناعة للتصدي للفكر التضبيعي الذي تمارسه الجهات الرسمية التي تسعى بكل الوسائل بجعله عنصرا نائما غارقا في سباته؛ يأكل ويتغوط؛ شأنه شأن الحمير. تتحكم فيه بقوة؛المطلوب منه بأن لا يفكر؛ حتى لا يصبح عنصرا مزعجا مقلقا؛ يطالب بمعطيات لا تريدها منه الطبقة الحاكمة والمحتكرة؛ لذلك نصبح أمام كائنات لا تندد كما لايكون رد فعلها قويا في مناسبات تستدعي التدخل والاحتجاجات؛ هذا المعطى يزكيه الزيادات المهولة في كل المواد الغدائية الحالية؛ تتحرك الحياة في جحيم تام؛ في غياب ردود افعال لها وزنها في التغيير وإيقاف النزيف؛ في حين نجده غارقا في ذاته؛ متشبعا بتمزقاته ؛ راضيا بكل شيء؛ فيصبح مادة دسمة تفعل فيها الجهات الناهبة ماتراه مناسبا للزيادة في غناها؛ رغم ان هذا يكون على حساب التهميش والتجويع والقهر الاجتماعي المتعدد. والنتيجة نجد النخب؛ بكل مشاربها؛ لاتحرك ساكنا ؛ تتفرج؛ تتقن الوصف في المقاهي؛ في المساء تتفق على ليلة خمرية؛ فيها يكثر النقاش ويطال النباح؛ في الصباح ينسى كل شيء؛ ليصبح الماضي غارقا في خبر كان.
أما في المجال السياسي ؛ فحدث ولا حرج؛ غياب تام للحزب الثوري؛ ولنخبة قادرة على تغيير المسلكيات والتأثير في الإنسان المسلوب ليفهم ذاته و يتصالح معها؛ كما يغيب المناضل الفاعل في تحريك مجتمع تتحكم فيه آليات صنعها المخزن فجعل منها قنوات مهمة لتجعل من الشعب عاملا مساهما في صناعة مصيره بالصيغة التي يريدها المتحكم في القرار. لهذا فلا عيب إن وجدنا الاغلبية تبيع صوتها بمائه درهم؛ كما نجد الباقون العارفون هاربون من جحيم واقعهم؛ يكتفون بالتحليل البعيد والعميق لحيثيات التاريخ والمجتمع؛ فيكتفون بالوصف الدقيق للظواهر المحيطة بهم ؛ في غياب تام لتفعيل ملاحظاتهم وتحويلها إلى أرض الواقع؛ تاركين الفراغ لخفافيش النهب والنصب يفعلون ما يرونه مناسبا لجشعهم اللامنتهي.

الخلاصة النهائية؛ كل ما تطرقنا إليه سابقا يشكل آليات تسهم بدرجات متفاوتة في صناعة شعب غارق في سباته؛ تائه في غيبوبته؛ ممزق في تفكيره؛ مسلعن في صيرورته؛ مضبع في قراراته؛ يتحرك خارج الإرادة؛ بوعي مشتت؛ كائن من درجة القطيع؛ بدون هوية ولا انتماء.
م

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.