✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
ليست أخطر أشكال السلطة تلك التي ترفع الهراوة في وجه معارضيها، بل تلك التي تنجح في جعل الحاجة بديلا عن الحرية، والٱنشغال بالنجاة اليومية بديلا عن التفكير في أسباب المأساة نفسها.
فالقمع المباشر، مهما ٱشتد، يظل محدود الأثر والزمن، أما حين يتحول الفقر إلى سياسة، ويتحول الوعي إلى ساحة للٱستهداف المنظم، فإن السيطرة تبلغ مستوى أكثر تعقيدا وعمقا.
لقد أثبت التاريخ أن الأنظمة الأكثر قدرة على البقاء ليست بالضرورة الأكثر قوة، بل الأكثر مهارة في إدارة التوازنات الإجتماعية والنفسية.
فهي تدرك أن المواطن الذي يمتلك ما يكفي من الوقت والمعرفة والكرامة سيتحول حتما إلى فاعل سياسي، وإلى صاحب رأي وموقف ومساءلة، لذلك يصبح من الضروري إبقاؤه في دائرة القلق الدائم، حيث تستنزف متطلبات العيش طاقته، وتستولي ضرورات الحياة على ٱهتمامه، فلا يبقى لديه متسع للنظر في ما وراء التفاصيل اليومية.
هنا لا يعود الفقر مجرد نتيجة لٱختلال ٱقتصادي أو فشل تنموي، بل يتحول إلى أداة ضبط ٱجتماعي.
فالمجتمع الذي تتسع فيه الفوارق، وتستنزف طبقاته الوسطى، وتدفع فئاته الهشة إلى هامش الحياة، يصبح أكثر قابلية للإنشغال بأزماته الفردية وأقل قدرة على إنتاج وعي جماعي قادر على مساءلة الواقع.
غير أن هندسة الفقر وحدها لا تكفي…
فالإنسان قد يتحمل العوز زمنا، لكنه يظل قادرا على إدراك أسباب معاناته والبحث عن سبل تغييرها.
ولذلك كان لا بد من هندسة موازية تستهدف العقل ذاته، لا بمنعه من التفكير، بل بتوجيهه وإغراقه وتشتيته.
في هذا السياق، يصبح التحكم في الوعي أكثر أهمية من التحكم في الثروة.
إذ لا يكفي أن تدار الموارد، بل يجب أن تدار التصورات أيضا.
تعاد صياغة الأولويات، وتصنع القضايا، وتضخم المعارك الهامشية، فيما تدفع الأسئلة الجوهرية إلى الخلف.
ويغدو الجدل حول الأشخاص بديلا عن النقاش حول السياسات، والٱنشغال بالسطح بديلا عن الغوص في الجذور.
إن تدجين الوعي لا يتحقق دائما عبر المنع والمصادرة، بل قد يتحقق عبر فائض الكلام نفسه.
فحين يغرق الفضاء العام بكم هائل من المعلومات المتناقضة والخطابات المتصارعة والضجيج المتواصل، يصبح الوصول إلى الحقيقة مهمة شاقة، ويصبح الإرهاق الفكري شكلا جديدا من أشكال الهيمنة.
وهكذا تنشأ مفارقة غريبة:
«فالمواطن يظن أنه أكثر ٱطلاعا من أي وقت مضى، بينما هو في الحقيقة أكثر عرضة للتوجيه والتأثير».
تتكاثر المنابر، لكن الرؤية تضيق.
تتسع مساحة التعبير، لكن مساحة الفهم تتقلص.
ويصبح الوعي ذاته ميدانا لصراع خفي لا تستخدم فيه الجيوش، بل السرديات والصور والرسائل والرموز.
وفي ظل هذه المعادلة، لا يعود المطلوب من الفرد أن يؤمن بالخطاب الرسمي إيمانا مطلقا، بل يكفي أن يفقد ثقته في كل خطاب بديل.
فحين تتساوى الحقيقة والكذبة في نظر الجمهور، وحين يصبح الشك شاملا لكل شيء، تفقد المجتمعات قدرتها على بناء موقف جماعي واضح، وتتحول الحيرة العامة إلى أحد أهم مصادر ٱستمرار الواقع القائم.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة ليس المعارضة المنظمة ولا الإحتجاج العابر، بل الوعي الحر.
ذلك الوعي الذي يربط بين الأسباب والنتائج، ويفكك الخطابات الجاهزة، ويميز بين الضرورة المصطنعة والضرورة الحقيقية.
فالإنسان الواعي لا يخدع بسهولة، ولا يقبل أن يختزل في دوره الإستهلاكي أو الإنتخابي أو الوظيفي، لأنه يدرك أن المواطنة ليست مجرد وجود داخل الدولة، بل مشاركة في صناعة مصيرها.
ومن هنا فإن معركة المجتمعات الحديثة ليست معركة خبز فقط، وليست معركة حريات فقط، بل هي معركة وعي بالدرجة الأولى.
لأن الفقر يمكن معالجته بالسياسات، أما العقول التي ٱعتادت الٱستسلام، فتحتاج إلى ما هو أعمق من الإصلاحات الإقتصادية.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن كل سلطة تستطيع أن تؤجل الأسئلة، لكنها لا تستطيع إلغاءها.
وأن كل واقع يمكن أن يستمر زمنا تحت وطأة الحاجة والخوف، لكنه يظل هشا أمام لحظة الإدراك الكبرى، تلك اللحظة التي يكتشف فيها الناس أن ما ٱعتادوا ٱعتباره قدرا لم يكن سوى صناعة بشرية قابلة للنقد والتغيير.
وحين يستعيد المجتمع حقه في السؤال، يستعيد في الوقت نفسه حقه في المستقبل.