نص وقراءة.

0 85

سبعون كيلومترا
حليمة حريري

لم تقتله الأفعى
قتله صمت
أطول من الطريق،
وأكثر برودة من السم
صمت يسكن
بين دفتر الوعود.
ولدغة أفعى،
سبعون كيلومترا…
مسافة صغيرة على خارطة الوطن،
لكنها كانت طويلة بما يكفي
ليصل الموت قبله.
في رحلة
كان السم يصعد في العروق،
وكان النداء يسقط في الغياب
لم يكن يحتاج طائرة،
ولا موكبا،
ولا صافرات،
كان يحتاج فقط
لقارورة مصل
في مستشفى قريب.
لكنه مواطن عادي.
عادي…
و العادي لا تفتح له أبواب السماء
حين يضيق عليه الطريق.
الغريب أن البلاد
تعرف كيف تتحرك بسرعة
حين يتعلق الأمر بغريب،
تعرف كيف تستنفر،
كيف تحشد،
كيف تختصر المسافات،
وكيف تجعل الطائرة
أقرب من صافرة الإسعاف.
أما العادي
فكان عليه أن يفاوض الموت
على سبعين كيلومترا

في بلدي الحبيب،
لا نموت حين تأتي سكرة الموت.
نموت قليلا… قليلا… قليلا
نموت
كلما تأخر باب،
كلما غابت قارورة،
كلما قيل لنا:
اصبروا…
فالنجاة في الطريق.

هناك،
فوق الطاولة اللامعة،
أصابع لم تختلط بالطين
تقلب خرائط البلاد
كما تقلب أوراق اللعب
إصبع يشير إلى هنا،
وآخر إلى هناك،
وثالث يبتسم للكاميرا
كأن شيئا لا ينقص المدينة
سوى ابتسامته.

في الأسفل،
كان شاب يركض خلف دقيقة.
دقيقة واحدة فقط
كانت تكفي
ليعود
باسم الوطن،
لا بصورة مؤطرة على جدار.
لكن الدقيقة
كانت تملك مفاتيحها النخبة.
وكانت الأبواب
تعرف أصحابها.
أما الذين لا ظل لهم،
فليتعلموا المشي
تحت الشمس.
قريبا… قريبا جدا
ستفرش الموائد،
وستكثر الأيادي التي تصافح الهواء،
وستخرج الكلمات بربطات عنقها الأنيقة
لتحدثنا عن الغد.
الغد…
ذلك الكائن المتكبر الجميل
الذي لا يصل أبدا
إلى الأحياء البعيدة.
سيقولون:
نحن معكم.
وستصفق الجدران
لكن أحدا لن يسأله
عن تلك السبعين كيلومترا.
لن يسأله أحد
كم كان الطريق طويلا
حين كان يحتضر.
لن تسأل صناديق الاقتراع
عن قارورة المصل الغائبة.
فالورقة لا تنزف،
والصندوق لا يصرخ،
والأرقام لا تشعر بالسم
وهو يصعد في جسد مصطفى.
يا لهذا الوطن…
كم هو سهل عليه
أن يطلب من الميت
أن يبتسم وهو ميت،
وكم هو صعب عليه
أن يكون حضنا يغمرنا من حلكة الليل
لم تقتله الأفعى وحدها.
قتله وطن
كان على بعد سبعين كيلومترا
من ترياقه.
القبور… لا تصفق يا وطني
القبور تحفظ فقط
عدد الذين انتظروا…
حين تنتهي الخطب،
وتُطوى الرايات،
وتعود السيارات إلى مرائبها،
ويبقى في آخر القلب
طريق طويل
يعرف الحقيقة.
طريق لا يعرف التصوير،
ولا التصفيق،
ولا لغة البيانات.
طريق يقول بصوت منخفض:
ليس كل من مات
كان موعده مع الموت.
بعضهم
كان موعده
مع وطن تأخر عن تلبية النداء.

سبعون كيلومترا المسافة الفاصلة بين ثلاث نيعقوب ومراكش

★ قراءة في نص «سبعون كيلومترا»
للأستاذ التزنيتي عبد اللطيف

نص «سبعون كيلومترا» للشاعرة حليمة، نصٌّ موجوع، مكتوب من منطقة الألم والغضب، ويضع القارئ أمام مأساة إنسانية لا تسمح له بالمرور عليها ببرود. ومنذ العنوان، تتحول المسافة من مجرد رقم على الخريطة إلى مسافة بين الحياة والموت، وبين الحاجة إلى العلاج وغياب الوسيلة إليه.
وقد وفقت الشاعرة في بناء هذه المسافة شعريا، حين جعلت «سبعين كيلومترا» لازمةً تتكرر في النص بمعانٍ مختلفة: سبعون كيلومترا في الجغرافيا، لكنها قد تصبح عمرا كاملا حين يكون الإنسان في مواجهة السم، ويكون الترياق بعيدا.
والنص، في مجمله، لا يحتج على حادثة منفردة فحسب، بل يفتح من خلالها جرحا أوسع يتعلق بالفوارق في الاستفادة من الخدمات، وبإحساس المواطن البسيط بأنه كثيرا ما يقف وحيدا أمام أبواب لا تُفتح في الوقت المناسب. وفي هذا الجانب، يملك النص شجاعة السؤال، وقوة الصورة، وحرارة الموقف.

ومن أجمل صوره تلك المفارقة بين «الطريق» و«الموت»، وبين «النداء» و«الغياب»، وبين الإنسان الذي يركض خلف دقيقة، وبين منظومة لا يبدو أنها تدرك قيمة تلك الدقيقة.
كما أن بعض المقاطع تحمل بعدًا رمزيا جميلا، خصوصًا حين تنتقل الشاعرة من مأساة الفرد إلى الحديث عن الوعود والخطب والرايات والتصفيق، وكأنها تقول إن المأساة الحقيقية لا تنتهي بموت صاحبها، بل تستمر في سؤالنا عن الأسباب التي جعلت إنقاذه ممكنًا نظرياً ومستحيلا عمليا.
ومع ذلك، فإن لي ملاحظة واحدة، لا تقلل في شيء من قيمة النص، ولا تمس قدرة الشاعرة، وإنما تتصل بتحديد الجهة التي ينبغي أن يقع عليها اللوم.
ففي أكثر من موضع ينتقل النص من مساءلة التقصير والمسؤولين والمؤسسات إلى تحميل «الوطن» نفسه مسؤولية ما حدث، كما في قول الشاعرة:
«قتله وطن
كان على بعد سبعين كيلومترا
من ترياقه.»
وكذلك في الخاتمة:
«بعضهم
كان موعده
مع وطن تأخر عن تلبية النداء.»
وهنا، في تقديري، تبدأ المسافة بين الشعر والواقع في إثارة سؤال آخر: هل الوطن هو الذي تأخر فعلًا؟
قد يكون هذا التعبير مقصودا على سبيل المجاز والتشخيص، وقد تكون الشاعرة تقصد بـ«الوطن» الدولة ومؤسساتها ومن أوكل إليهم تدبير شؤونه. وهذا تأويل مشروع شعريا، بل مفهوم جدا في سياق النص الغاضب.
لكنني، مع ذلك، أميل إلى التمييز بين الوطن وبين الذين يديرون بعض مؤسساته.
فالوطن ليس هو المستشفى الذي غابت عنه الأطر، وليس هو المسؤول الذي قصّر، وليس هو من ترك قارورة المصل غائبة، وليس هو من أخطأ في تدبير المسافة بين المريض والعلاج.
الوطن هو أيضا ذلك المواطن الذي كان يموت وهو ينتظر النجدة، وهو الطبيب الذي يحاول أن يؤدي واجبه، وهو الأم التي تنتظر عودة ابنها، وهو الإنسان الذي يتألم حين يرى أبناء وطنه يتألمون.
ومن هنا، فإن تحميل «الوطن» نفسه وزر أخطاء بعض أبنائه قد يجعل دائرة المسؤولية أوسع مما ينبغي.
ولعل العبارة التي أراها أكثر إنصافا للنص وللوطن معًا هي:
ليس الوطن هو الذي تأخر عن تلبية النداء؛ الذين تأخروا هم الذين أوكل إليهم الوطن مهمة تلبية النداء.
وهذه، في رأيي، ليست مسألة لغوية فقط، بل مسألة أخلاقية في تحديد المسؤولية.
فالاحتجاج على الظلم لا يحتاج إلى إدانة الوطن؛ بل ربما يكون أصدق حين نقول إننا نغضب من أجل الوطن، لا نغضب على الوطن.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تحجب هذه الملاحظة ما في النص من قوة وصدق. فحليمة تكتب هنا بقلم يعرف كيف يحول حادثة مؤلمة إلى سؤال عام، وكيف يجعل الرقم «70» يتحول من مسافة جغرافية إلى شاهد شعري على اختلال ما.
وقد يكون أجمل ما في النص، في النهاية، أنه لا يترك القارئ مرتاحا؛ فهو يدفعه إلى السؤال: كم من الأرواح تحتاج إلى «سبعين كيلومترا» فقط كي تنجو، ثم لا تجد في الطريق من يختصر عليها المسافة؟
تحية لقلم الشاعرة حليمة، ولحسها الإنساني، مع احتفاظي بهذا التحفظ الصغير: لنحمّل المسؤولية لمن يستحقها، ولنبقِ الوطن فوق أخطاء أبنائه، لأنه ليس الجاني في هذه الحكاية، بل هو في كثير من الأحيان أول من يدفع ثمنها.

🌴التزنيتي عبداللطيف
المغرب 23 غشت2026

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.