نزار بركة و “حكومة الحكم الذاتي”.. عندما تسبق الأحلام صناديق الاقتراع

0 6٬566

عزيز-ل-

خرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، بتوصيف مثير للحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026، حين أعلن أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة “حكومة المونديال”، وإنما مرحلة “حكومة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”.

قد يبدو الكلام، للوهلة الأولى، مجرد توصيف سياسي لأولويات المرحلة المقبلة. لكن عندما يصدر عن أمين عام حزب مشارك في الحكومة ويقال بهذه الدرجة من اليقين قبل أن يقول الناخبون كلمتهم، فإنه يفتح بابا مشروعا للأسئلة.

فمن أخبر نزار بركة مسبقا بطبيعة الحكومة المقبلة؟ ومن قال إن نتائج الانتخابات وتركيبة الأغلبية والبرنامج الحكومي قد حسمت قبل فتح صناديق الاقتراع؟

في النظام الدستوري المغربي، الحكومة لا تتشكل بالشعارات التي يطلقها الأمناء العامون للأحزاب في المهرجانات الانتخابية. هناك انتخابات، ونتائج، وأغلبية سياسية، ثم مسطرة دستورية لتعيين رئيس الحكومة وتشكيلها.

أما الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فهو مشروع دولة وقضية وطنية تتجاوز حزب الاستقلال ونزار بركة والحسابات الانتخابية لجميع الأحزاب. ومن ثم فإن محاولة تحويل هذا الملف الاستراتيجي إلى عنوان انتخابي لحكومة لم تولد بعد قد تثير أكثر من علامة استفهام.

الأغرب أن بركة كان قد وصف في مارس 2026 الحكومة الحالية بأنها “حكومة المونديال” ، بالنظر إلى الأوراش والتجهيزات المرتبطة باستضافة كأس العالم، قبل أن يعود لاحقا ليقول إن الحكومة المقبلة ستكون أمام رهان تدبير وتنزيل مشروع الحكم الذاتي. أي أننا أمام توصيف سياسي يصنعه الأمين العام لحزب الاستقلال نفسه للتمييز بين مرحلتين، وليس أمام تسمية دستورية للحكومات..

من حق نزار بركة أن يقول: نريد، في حزب الاستقلال، أن تكون الحكومة المقبلة حكومة تجعل تنزيل الحكم الذاتي من أولوياتها. ومن حقه أن يجعل ذلك جزءا من برنامجه الانتخابي، وأن يطلب أصوات المغاربة على هذا الأساس.

لكن الانتقال من «نريد» إلى «ستكون» مسافة سياسية ودستورية كبيرة.

الحكومة المقبلة سيحدد ميزانها السياسي الناخبون أولا، قبل أن تحدده أمنيات زعماء الأحزاب. وحزب الاستقلال نفسه لا يعرف حتى الآن عدد المقاعد التي سيحصل عليها، ولا موقعه داخل الخريطة السياسية التي ستفرزها الانتخابات، ولا شكل التحالفات التي ستنشأ بعدها.

فكيف يعرف مسبقا هوية المرحلة الحكومية المقبلة؟

ربما يتعلق الأمر بحماس انتخابي زائد، وربما بمحاولة رفع سقف الخطاب لإقناع الاستقلاليين بأن حزبهم سيكون في قلب المرحلة القادمة. لكن السياسة ليست قراءة للأحلام، والدستور ليس كتابا لتفسيرها.

وإذا كان بركة يريد بالفعل “حكومة الحكم الذاتي”، فعليه أولا أن يقنع الناخب المغربي بمشروع حزبه، وأن يحصل على ثقته، وأن ينتظر ما ستقوله صناديق الاقتراع.

أما القضايا السيادية الكبرى، وفي مقدمتها الوحدة الترابية ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فهي أكبر من أن تتحول إلى بطاقة انتخابية أو وسيلة لإيحاء الناخب بأن شكل الحكومة المقبلة قد حسم سلفا.

قد يكون نزار بركة يرى قطار الحكومة المقبلة قادما من بعيد، لكن عليه ألا ينسى أن هذا القطار، في دولة المؤسسات، يفترض أن يمر أولا من محطة صناديق الاقتراع.

وإلى أن تقول الصناديق كلمتها، تبقى “حكومة الحكم الذاتي” توصيفا سياسيا لنزار بركة، لا حقيقة دستورية مقررة.

أما إن كان الرجل يعتقد أنه يعرف منذ الآن ما ستفرزه مرحلة ما بعد الانتخابات، فربما نكون بالفعل أمام شيء أقرب إلى أضغاث أحلام انتخابية منه إلى قراءة دستورية لمسار تشكيل الحكومات.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.