ملاعب القرب بتسلطانت بعد أقل من 3 سنوات: إصلاح بـ93 مليون سنتيم يفتح باب الأسئلة حول جودة الإنجاز وتدبير المال العام

0 644

أثار إعلان عن فتح الأظرفة المتعلقة بمشروع إعادة تهيئة ملاعب القرب الموجودة بتراب جماعة تسلطانت موجة من الاستغراب في صفوف عدد من فعاليات المجتمع المدني وأعضاء منتخبين بالمجلس الجماعي، خاصة أن هذه المنشآت الرياضية لم يمض على إنجازها، حسب المعطيات المتداولة محلياً، سوى حوالي ثلاث سنوات.
وتزداد علامات الاستفهام، وفق هذه الفعاليات، مع تخصيص مبلغ يقارب 93 مليون سنتيم لإعادة تهيئة هذه الملاعب، في وقت كان يفترض أن تكون منشآت حديثة نسبياً وقابلة للاستغلال دون الحاجة إلى إعادة تأهيل بهذا الحجم المالي بعد فترة قصيرة من إنجازها.
من المسؤول عن تدهور ملاعب حديثة؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، حسب المتابعين للشأن المحلي، لا يتعلق فقط بكلفة الصفقة الجديدة، وإنما أساساً بـالأسباب التي أوصلت هذه الملاعب إلى وضع يستدعي إعادة التهيئة بعد أقل من ثلاث سنوات.
فأرضيات العشب الاصطناعي، وفق ما يتم تداوله محلياً، لا تزال قائمة، وإن كانت تحتاج إلى الصيانة والعناية الدورية. وهنا تطرح فعاليات مدنية سؤالاً جوهرياً: هل يتعلق الأمر بغياب الصيانة والمراقبة المنتظمة؟ أم بوجود عيوب في المواد والتجهيزات التي استعملت عند إنجاز الملاعب؟ أم أن الأمر مرتبط بطريقة الاستغلال المكثف لهذه المنشآت؟
وإذا كان السبب هو غياب الصيانة، فإن ذلك يفتح بدوره نقاشاً حول مسؤولية الجماعة في الحفاظ على استثماراتها العمومية، لأن المنشأة الرياضية لا تنتهي مسؤولية تدبيرها بمجرد انتهاء أشغال البناء والتسليم، بل تحتاج إلى برنامج صيانة وتتبع ومراقبة مستمرة.
أما إذا كانت هناك عيوب في جودة الإنجاز أو المواد المستعملة، فإن الأمر يستدعي، بحسب الفعاليات التي أثارت الموضوع، فتح الملف التقني للصفقة الأصلية والاطلاع على محاضر التسلم والضمانات وشروط تنفيذ الأشغال، قبل الانتقال إلى صرف اعتمادات جديدة.
93 مليون سنتيم.. إصلاح أم معالجة لاختلال سابق؟
الجدل لا يتوقف عند مدة عمر الملاعب، بل يمتد إلى طبيعة المشروع الجديد وكلفته.
فالفعاليات المدنية المتابعة للموضوع تعتبر أن تخصيص حوالي 930 ألف درهم لإعادة تهيئة ملاعب حديثة نسبياً يستوجب تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام المحلي، خصوصاً حول طبيعة الأشغال التي ستنجز، وكمياتها، ومبرراتها التقنية، وهل سبقها تشخيص أو دراسة تقنية تحدد بدقة الأعطاب التي تستوجب الإصلاح.
وتؤكد المعطيات الرسمية المتعلقة بالصفقات العمومية أن الإعلان عن طلبات العروض وفتح الأظرفة يتم عبر المنصة المغربية للصفقات العمومية، التي توفر كذلك وثائق الاستشارة ونتائج الصفقات وغيرها من المعطيات المرتبطة بها.
ومن هنا تبرز أهمية أن تكون وثائق المشروع واضحة ومتاحة، حتى يتسنى للمنتخبين والمجتمع المدني والرأي العام معرفة ما الذي سيتم إصلاحه تحديداً، ولماذا، وبأي تكلفة.
هل سبق المشروعَ تشخيصٌ تقني؟
من بين الأسئلة التي تطرحها الفعاليات المدنية أيضاً مسألة الدراسة القبلية والتشخيص التقني.
فإذا كانت الملاعب تحتاج فعلاً إلى إعادة تهيئة، فمن الطبيعي أن يكون هناك تقرير أو تشخيص يحدد وضعية الأرضيات والتجهيزات والسياج والإنارة وباقي المكونات، ويبين طبيعة الأشغال الضرورية وكلفتها التقديرية.
أما القفز مباشرة إلى صفقة جديدة دون توضيح الأساس التقني الذي بني عليه المشروع، فيمكن أن يجعل النقاش يتحول من سؤال “كيف نصلح الملاعب؟” إلى سؤال أكبر: لماذا وصلت ملاعب حديثة إلى مرحلة الإصلاح بهذه السرعة؟
وماذا عن اختصاصات المجلس والرئيس؟
كما أثار بعض المنتخبين تساؤلات حول المسار المؤسساتي الذي سبق الإعلان عن المشروع، وما إذا كان المشروع مدرجاً ضمن مقررات وبرنامج المجلس والاعتمادات المصادق عليها، وفق ما تقتضيه النصوص المنظمة لاختصاصات الجماعات والصفقات العمومية.
وهنا ينبغي التمييز قانونياً بين اختصاصات المجلس التداولية وبين اختصاصات رئيس المجلس في تنفيذ مقررات المجلس وتدبير شؤون الجماعة وإبرام وتنفيذ الصفقات في حدود الاختصاصات المخولة له قانوناً؛ لذلك فإن الجزم بأن كل صفقة تستلزم بالضرورة قراراً مستقلاً من المجلس يحتاج إلى الرجوع إلى طبيعة النفقة، والبرنامج، والاعتمادات، والمقرر المالي، والاختصاص القانوني المحدد لكل حالة.
القانون التنظيمي رقم 113.14 يشكل الإطار الأساسي المنظم لاختصاصات الجماعة ورئيس مجلسها، كما تظهر القرارات المنشورة رسمياً أن تدبير القطاعات وتنفيذ المقررات يخضعان لتوزيع محدد للاختصاصات والتفويضات.
الكرة الآن في ملعب المجلس والرأي العام
أمام هذه المعطيات، يبدو أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سجال سياسي، وإنما إلى مساءلة مؤسساتية وتقنية هادئة حول المال العام وجودة المشاريع.
ومن حق أعضاء المجلس أن يطلبوا الاطلاع على ملف المشروع، ودراسة الحاجيات، وكشف الاعتمادات المرصودة، ووثائق الصفقة السابقة والجديدة، ومحاضر التسلم، وتقارير المراقبة والصيانة، لمعرفة الأسباب الحقيقية التي جعلت ملاعب لم يمض على إنجازها سوى سنوات قليلة تدخل من جديد إلى خانة “إعادة التهيئة”.
فـ93 مليون سنتيم ليست مجرد أرقام في وثيقة مالية، وإنما أموال عمومية يفترض أن تصرف على أساس الحاجة الفعلية، والتشخيص التقني، والنجاعة، والحفاظ على الاستثمارات الجماعية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على مسؤولي جماعة تسلطانت: هل نحن أمام صيانة عادية لمرافق رياضية بسبب الاستعمال، أم أمام إعادة إصلاح مبكرة لمشاريع حديثة كان يفترض أن تعيش سنوات أطول قبل الحاجة إلى مثل هذا الغلاف المالي؟
والجواب، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون بالتصريحات، وإنما بالوثائق والدراسات والتقارير ومحاضر التسلم وأرقام الصفقات

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.