✍🏼بقلم: _الكاتب الصحفي_
[*ذ.هشام الدكاني*]
ٱنتهت الحملة الإنتخابية، أُغلقت صناديق الإقتراع، وأعلنت النتائج، وٱنتقل حزب “الأصالة والمعاصرة” من موقع المنافسة الإنتخابية إلى موقع المسؤولية الحكومية.
وفي 29 شتنبر 2026، عينت *فاطمة الزهراء المنصوري* رئيسة للحكومة، وكلفت بتشكيل الحكومة الجديدة.
وهنا تحديدا يبدأ السؤال الأصعب:
– هل يستطيع “البام” أن يفعل في الحكومة ما وعد به في الحملة الإنتخابية؟
الناخب المغربي لا ينتظر مزيدا من الشعارات، ولا يحتاج إلى خطب جديدة عن المستقبل.. إنه يريد أن يرى أثر السياسة في حياته اليومية:
(في ثمن المواد الأساسية، وفي فرص الشغل، وفي المدرسة والمستشفى، وفي السكن، وفي جودة الإدارة، وفي القدرة على مواجهة أعباء الحياة).
لقد قدم “البام” خلال الإنتخابات برنامجا يقوم على خمسة مواثيق و20 ٱلتزاما قابلا للتطبيق والتتبع، وحدد كلفته الإضافية في نحو 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، كما وضع هدف خلق مليون منصب شغل صاف خلال الولاية 2027-2031.
وهذه ليست أرقاما عابرة يمكن أن تختفي بعد ٱنتهاء الحملة الإنتخابية، إنها أرقام يمكن للمواطن والصحافة والبرلمان والمعارضة أن تعود إليها في كل سنة لتسأل:
– ماذا تحقق؟
– وماذا تأخر؟
– ولماذا؟
والأهم أن الحزب نفسه قدم برنامجه بٱعتباره تعاقدا مع المواطنين، وربط التزاماته بآليات للتنفيذ والتمويل.
من هنا، فإن حكومة *المنصوري* ستكون أمام ٱمتحان مختلف عن مجرد تشكيل أغلبية وتوزيع الحقائب الوزارية.
فالإمتحان الحقيقي سيكون في القدرة على تحويل الوعود إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.
إذا وعد البرنامج بمليون منصب شغل، فالمغربي سيبحث عن عدد المناصب التي أحدثت فعلا.
وإذا تحدث عن تحسين القدرة الشرائية، فالمواطن سيقيس ذلك بما تبقى في جيبه آخر الشهر.
وإذا وعد بإصلاح التعليم والصحة، فلن تكون التقارير وحدها كافية لإقناعه، لأن المدرسة والمستشفى هما المكان الذي يختبر فيه المواطن صدق الخطاب السياسي يوميا.
وإذا كان البرنامج قد خصص 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليارا لإدماج الشباب، و50 مليارا لميثاق الأمان، فإن السؤال الطبيعي سيكون:
– أين ستذهب هذه الأموال؟
– وكيف سيشعر بها المواطن؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
– هل تستطيع *المنصوري* أن تجعل الحكومة حكومة برنامج، أم ستتحول البرامج الإنتخابية مرة أخرى إلى وثائق جميلة فوق الرفوف؟
ذلك أن المغرب لا يعاني فقط من نقص الوعود، بل يعاني أحيانا من الفجوة بين الوعد والتنفيذ، وبين القرار وآثاره على الأرض.
ولذلك فإن رئيسة الحكومة الجديدة لا تحتاج فقط إلى الدفاع عن برنامج حزبها، بل تحتاج إلى أن تضع لنفسها ولحكومتها مواعيد واضحة للحساب.. سنة بعد سنة.
مشروعا بعد مشروع.
ورقما بعد رقم.
فالسياسة الحديثة لا تقاس فقط بما تقوله الحكومة، وإنما بما يمكن للمواطن أن يلمسه ويقيسه.
ولعل أكبر تحد أمام *المنصوري* سيكون هو الحفاظ على المسافة بين الخطاب الإنتخابي والحساب الحكومي.
في الإنتخابات، يمكن للمرشح أن يقول: “سنفعل”.
أما في الحكومة، فالسؤال يصبح:
– ماذا فعلتم؟
وهنا أيضا ستتغير طبيعة العلاقة بين “البام” والمواطن.
فالحزب الذي طلب ثقة المغاربة على أساس برنامج محدد، سيصبح مطالبا بتقديم كشف حساب محدد.
لا يكفي أن تقول الحكومة إن الظروف الدولية صعبة، أو إن الإصلاحات تحتاج إلى وقت، أو إن التركة ثقيلة… فهذه كلها قد تكون عوامل حقيقية، لكنها لا تلغي حق المواطن في معرفة ما تحقق وما لم يتحقق، وما الذي حال دون التنفيذ.
وفي المقابل، سيكون من الإنصاف أيضا ألا تتم محاسبة الحكومة الجديدة على ما لم يمض عليه وقت كافٍ، وألا تتحول المعارضة السياسية إلى أحكام مسبقة قبل ظهور النتائج.
*المنصوري* لم تبدأ بعد مرحلة الحساب، لكنها بدأت مرحلة العد التنازلي للحساب.
فكل وعد معلن أصبح رقما في دفتر المواطنين.
وكل ٱلتزام ٱنتخابي أصبح سؤالا مؤجلا.
وكل مليار درهم مخصص للبرنامج أصبح مسؤولية سياسية وأخلاقية أمام دافعي الضرائب.
أما المواطن، الذي منح صوته لمن وعده بالتغيير، فلن يكون معنيا كثيرا بمن ربح الإنتخابات بعد اليوم؛ بل سيكون معنيا بما إذا كان التغيير الذي وعد به قد وصل فعلا إلى حياته.
وهنا تكمن المفارقة:
“البام” نجح في الوصول إلى الحكومة… لكن النجاح الذي ينتظره المغاربة ليس نجاحا ٱنتخابيا جديدا، وإنما نجاح الوعود عندما تتحول من كلمات قيلت فوق المنصات إلى واقع يرى في الشارع والبيت والمدرسة والمستشفى وسوق الشغل.
فالإنتخابات ٱنتهت…
أما ٱمتحان الوعود، فقد بدأ للتو.