م.س : بيان مراكش
تشهد بعض أحياء مدينة مراكش في الآونة الأخيرة حملات متواصلة لتحرير الملك العمومي، في إطار الجهود التي تبذلها السلطات المحلية من أجل إعادة النظام إلى الفضاءات العامة وضمان حق المواطنين في الإستفادة منها دون تضييق أو إستغلال غير قانوني ، وهي مجهودات يقودها مسؤولو الإدارة الترابية على المستوى المحلي ، وتلقى في مجملها إستحسانا من طرف العديد من المواطنين الذين عانوا لسنوات من مظاهر الإحتلال العشوائي للأرصفة والشوارع والساحات العمومية ، كما يثمن عدد من المتتبعين المقاربة العامة المعتمدة على مستوى جهة مراكش آسفي تحت إشراف والي الجهة السيد خطيب الهبيل ، لما تظهره من حرص على تفعيل القانون وتوحيد منهجية التدخل في هذا المجال.
ولا يختلف إثنان حول أهمية هذه المبادرات، بالنظر إلى ما تساهم به من تحسين لجمالية المدينة ، وتسهيل حركة السير والجولان ، وترسيخ إحترام القانون ، كما أن نجاح أي سياسة تروم حماية الملك العمومي يظل رهينا بوجود إرادة حقيقية في مواجهة مختلف أشكال التعدي عليه ، بعيدا عن التردد أو التساهل.
غير أن الرهان الأكبر لا يكمن فقط في تنفيذ الحملات الميدانية، بل في ضمان شعور المواطنين بأن القانون يطبق على الجميع دون إستثناء أو انتقائية ، فحين يلاحظ المواطن تفاوتا في التعامل مع بعض الحالات ، أو تساهلا مع مظاهر معينة للإحتلال مقابل التشدد مع حالات أخرى ، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى إحترام مبدأ المساواة أمام القانون.
ويثير عدد من المتتبعين إشكالية البيوت الخشبية أو الحديدية التي أقامها بعض الحراس الليليين في عدد من النقاط، سواء بمقاطعة سيدي يوسف بن علي الجنوبية أو غيرها ، والتي أضحت جزءا من المشهد اليومي ببعض الأحياء ، مما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعتها القانونية ومدى إنسجامها مع المقتضيات المنظمة لاستعمال الملك العمومي ومع الجهود المبذولة في إطار تحريره من مختلف أشكال الاحتلال غير المرخص ويلاحظ في بعض الحالات أن هذه الفضاءات تستغل لأغراض تتجاوز وظيفتها الأصلية ، من قبيل وضع قنينات غاز صغيرة مخصصة للطبخ ، أو إستعمالها كأماكن لإيواء الحيوانات الأليفة ولا سيما كلاب الحراسة ، وهو ما قد يثير إشكالات مرتبطة بمتطلبات السلامة العامة ، ومعايير النظافة وإحترام شروط الإستغلال المشروع للفضاء العمومي ، بما يستدعي مقاربة واضحة ومنصفة ، تراعي البعد الإجتماعي والإنساني من جهة ، وتحافظ على هيبة القانون ومبدأ المساواة من جهة أخرى ، فالقانون يفقد جزءا من قوته الرمزية حينما تسجل بعض الممارسات التي قد تفهم على أنها تساهل في ضبط بعض الوضعيات المخالفة من طرف “بعض” أعوان السلطة ، بما قد ينتج لدى المواطن إنطباعا بعدم تكافؤ المعاملة ، ويعزز لديه الإعتقاد بأن تطبيق القانون يتم بصرامة على فئات معينة ، في حين يتم التغاضي عن مخالفات فئات أخرى ، وهو ما من شأنه أن يمس بمبدأ المساواة أمام القانون ويؤثر على مستوى الثقة في آليات التدخل الإداري ، بل إن بعض الحالات قد تفهم ، من زاوية المتابعة الميدانية ، على أنها نوع من غض الطرف أو عدم التفاعل الحازم مع بعض التجاوزات ، بما يفاقم الإحساس بغياب الحياد في تطبيق القانون.
إن نجاح حملات تحرير الملك العمومي لا يقاس فقط بعدد المخالفات التي تم ضبطها أو المساحات التي تم إسترجاعها ، بل يقاس أيضا بمدى ترسيخ الثقة في الإدارة وقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وحياد ، فالمواطن اليوم لا يطالب فقط بفرض النظام ، بل يطالب قبل ذلك بأن يكون هذا النظام قائما على الإنصاف وتكافؤ الفرص وإحترام مبدأ المساواة بين الجميع.
وبقدر ما تستحق المجهودات المبذولة التنويه والدعم ، فإنها تحتاج كذلك إلى مزيد من اليقظة لضمان إنسجام التدخلات الميدانية مع روح القانون ومقاصده، حتى تتحول معركة حماية الملك العمومي إلى نموذج في الحكامة الجيدة والعدالة المجالية، لا مجرد حملات ظرفية مرتبطة بزمن معين أو بمظاهر محددة.