بين خطاب تجديد النخب وواقع الترشيحات المحلية… هل تصل دعوات نبيل بنعبد الله ونداءات جلالة الملك إلى دائرة

0 10٬328

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش بقوة حول مستقبل النخب السياسية المغربية، ومدى قدرة الأحزاب على تجسيد شعارات الإصلاح والتجديد التي ظلت ترفعها في مؤتمراتها الوطنية وخطابات قياداتها السياسية. ويحتل موضوع إشراك الشباب في تدبير الشأن العام مكانة متقدمة ضمن هذا النقاش، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لبناء حياة سياسية متجددة وقادرة على استعادة ثقة المواطنين.

وفي هذا الإطار، دأب الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، في العديد من لقاءاته الحزبية والمؤتمرات الوطنية، على التأكيد أن مستقبل الأحزاب رهين بقدرتها على تجديد نخبها، وفسح المجال أمام الطاقات الشابة والكفاءات القادرة على الإبداع وتحمل المسؤولية. كما شدد على أن الشباب ليس مجرد رقم انتخابي، بل قوة اقتراحية يجب أن تكون حاضرة في مواقع القرار داخل التنظيمات الحزبية والمؤسسات المنتخبة.ويأتي هذا التوجه منسجماً مع الرؤية الملكية التي أكد عليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في عدد من خطاباته، حيث دعا إلى تجديد النخب السياسية والإدارية، وإفساح المجال أمام الكفاءات، وتمكين الشباب من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام، بما يساهم في بناء حياة سياسية جديدة تستجيب لتطلعات المواطنين، خاصة فئة الشباب التي تشكل النسبة الأكبر من المجتمع المغربي.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل استطاعت الأحزاب السياسية ترجمة هذه التوجيهات إلى ممارسات فعلية على المستوى المحلي؟ أم أن العديد من الفروع ما زالت تفضل إعادة إنتاج الوجوه نفسها، ولو على حساب الكفاءات الشابة؟

وتبرز هذه الأسئلة في عدد من الدوائر الانتخابية، من بينها دائرة سيدي يوسف بن علي بمدينة مراكش، التي تعرف حركية سياسية مبكرة استعداداً للاستحقاقات المقبلة. ويتساءل عدد من المهتمين بالشأن المحلي حول طبيعة الاختيارات التي ستعتمدها الأحزاب في هذه الدائرة، وهل ستكون الأولوية للشباب القادر على تقديم مشاريع وأفكار جديدة، أم أن منطق الأسماء التقليدية سيظل هو المتحكم في عملية الترشيح.إن الحديث عن تجديد النخب لا ينبغي أن يظل مجرد شعار يرفع خلال المؤتمرات أو المناسبات السياسية، بل يفترض أن ينعكس على لوائح الترشيحات وعلى آليات اختيار المرشحين. فالشباب المغربي راكم تجربة مهمة في مختلف المجالات، سواء في المجتمع المدني أو الإعلام أو المقاولة أو العمل الجمعوي، وأثبت أن الكفاءة لا ترتبط بالسن، وإنما بالقدرة على الإنجاز وخدمة الصالح العام.كما أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد هو مجرد الفوز بالمقاعد الانتخابية، بل استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي. وهذه الثقة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تقديم مرشحين يتمتعون بالنزاهة والكفاءة والقرب من المواطنين، وقادرين على تقديم حلول واقعية لمشاكل الساكنة.ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ستترجم القيادة الوطنية لحزب التقدم والاشتراكية، بقيادة نبيل بنعبد الله، خطابها الداعي إلى تشبيب النخب على مستوى الترشيحات المحلية، بما فيها دائرة سيدي يوسف بن علي؟ أم أن الواقع التنظيمي سيفرز اختيارات مختلفة؟
إن المتتبعين للشأن الحزبي يدركون أن نجاح أي حزب لا يقاس فقط بخطابه السياسي، وإنما بمدى انسجام هذا الخطاب مع ممارساته على أرض الواقع. فإذا كانت القيادة الوطنية تدعو إلى تمكين الشباب، فإن الرأي العام ينتظر أن يرى ذلك مجسداً في الترشيحات، حتى لا تبقى دعوات التجديد مجرد عناوين سياسية.وفي المقابل، فإن الحديث عن التشبيب لا يعني إقصاء أصحاب التجربة والخبرة، فالحياة السياسية تحتاج إلى توازن بين الخبرة والكفاءة المتجددة. غير أن هذا التوازن لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق الباب أمام أجيال جديدة تتطلع إلى خدمة الوطن والمساهمة في التنمية المحلية.وتبقى دائرة سيدي يوسف بن علي، كغيرها من الدوائر، أمام محطة قد تشكل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الأحزاب بمبدأ تجديد النخب. فهل ستشهد الساحة السياسية بروز أسماء شابة قادرة على حمل هموم الساكنة والدفاع عن قضاياها؟ أم أن منطق الاستمرارية سيطغى مرة أخرى على منطق التجديد؟
أسئلة مشروعة ستجيب عنها الأيام المقبلة، وستكشف لوائح الترشيحات مدى انسجام الأحزاب مع خطاباتها، ومدى استجابتها للتوجيهات الملكية الداعية إلى خلق حياة سياسية جديدة، يكون فيها الشباب شريكاً أساسياً في صناعة القرار، لا مجرد متفرج على المشهد السياسي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.