✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في مغرب الحكامة الرشيدة والشعارات الخجولة ، حيث يُكرَّم الفشل ويُكمَّم الفقير ، ٱستيقظنا ذات صباح على خبر عظيم:
«مليار و100 مليون سنتيم في مشروع تربية الأحياء البحرية بمدينة الداخلة!».
لا مشكلة ، إلا أن (الموقّعة) على المشروع ، و(المُستفيد) من المشروع ، ينتميان لنفس الحزب!!
وهنا ، يطلّ علينا وحش صغير ٱسمه «تضارب المصالح» ، لكن لا أحد يجرؤ على تسميته… لأننا في وطن يحيا على قاعدة:
«خذ ما تشاء… فقط لا تزعج الآلة الحزبية!!!»
نعم ، نفس الحزب ، نفس الكعكة ، نفس القسمة… والمواطن؟ لا شيء.
لا يُذكر ، لا يُستشار ، ولا حتى يُؤخذ رأيه كـ(بروتين بشري) ضمن دورة الإستغلال.
نحن في عصر لا يُخفى فيه الفساد… بل يُعلن عنه بفخر ، وتُقطع له الكاميرات الشريط الأحمر!
الداخلة ، هذه الجوهرة البحرية ، تُختزل اليوم في مشروع تربية أسماك ، بينما البشر يُتركون ليموتوا على قوائم الانتظار:
انتظار سرير في مستشفى غير موجود ، أو مقعد في قسم غير مجهز ، أو وظيفة تليق بكرامة الإنسان.
لكن من يهتم؟ مادامت الأسماك في طريقها إلى أوروبا في عبوات باردة ، والصفقات تُبرم في مكاتب دافئة!!
العار لا يكمن فقط في قيمة المشروع ، بل في خلفياته ، وتوقيته ، وهوية أصحابه.
فحين تلتقي السلطة بالمال داخل الحزب ، وتتحول المناصب إلى أبواب خلفية للمنافع الشخصية ، يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر!!!
– فهل نحن بصدد تنمية؟
– أم بصدد غنيمة؟
أما الإعلام الرسمي ، فكالعادة يصفق ، ويتحدث عن (خلق مناصب شغل!) وهمية ، ويصوّر المشروع كأنه إنجاز استراتيجي.
لكن ، الواقع أن فرص الشغل الحقيقية خُلقت فقط لعائلة المستثمر ، وأصدقائه ، وبعض العمال الموسميين الذين سيتقاضون الفتات ثم يُرمون كالشبكة البالية بعد موسم الصيد.
تربية الأحياء البحرية؟ في الداخلة؟ مدينة تُلقب بـ «جنة البحر» ، وغنية بثروات طبيعية تجعل من «اليابان» نفسها تحس بالغيرة… ثم يأتينا مسؤول يقول إنه يريد تربية السمك هناك؟
لا ، هو لا يريد تربية السمك ، بل يريد تربية الثروة… في حسابه البنكي!!
والساكنة؟ تعيش بين خيمتين:
خيمة الوطن الحالم ، وخيمة الواقع المؤلم.
أبناء الداخلة اليوم لا يطالبون بالكماليات ، بل بأساسيات الحياة: مدرسة حقيقية ، مستشفى لا يسرب الموت ، طريق لا تقتل ، وظيفة تحفظ الكرامة ، وكرامة لا تُعطى ببطاقة ٱنخراط حزبي!!!
الداخلة ليست مدينة فقيرة ، بل منهوبة.
ليست مهمّشة لأنها بعيدة ، بل مقصية لأنها غنيّة.
يُقال لهم: «ٱصبروا ، التنمية قادمة» ، لكنها دائما ما تحط في حسابات الآخرين أولا.
تضارب المصالح في هذا المشروع ليس سهوا ، بل أسلوب حكم.
والسكوت عنه ليس جهلا ، بل جزء من الصفقة.
في الداخلة ، تُفتح الأبواب للٱستثمار ، لكن فقط لمن يملك مفاتيح الحزب!
وتُغلق على المواطن الذي لا يملك سوى بطاقة تعريف وطنية ثقيلة لا تفتح حتى عيادة!!
أما الكرامة؟ فقد تم تجميدها في ثلاجات السمك ، جنبا إلى جنب مع مبادئ الشفافية!!!
فيا أبناء الداخلة… لا تبحثوا عن العدالة في نشرات الأخبار ، ولا تنتظروا الإنصاف في خطب الكرامة والتنمية.. فهنا ، التنمية تقاس بعدد اليخوت الراسية ، لا بعدد الأرواح الساقطة…
هنا ، الوطن للبيع… لكن الشراء حصري للنخبة.
أما أنتم؟ فأنتم الزينة في الصورة ، والديكور في التقارير ، والظل في الحفل ، والصدى في التصفيق.
لا مدارس ، لا مستشفيات ، لا مصانع… فقط رخص تُمنح ، وصفقات تُحاك ، وأرض تُسلخ ، وأنتم تنامون في خيام الوطن ، بينما الوطن نائم في فنادق الخارج!
في الداخلة ، السمك يصعد في الطائرة ، والإنسان يُدفن في رمال التهميش.
العار يا سادة ، ليس أن تبيع الوطن… بل أن تُقسّمه مثل قالب حلوى فاسد ، توزّع أنصبة الثروة على المقربين ، وتترك الشعب يلعق الأصابع الفارغة من كل شيء إلا الألم.
العار أن تُحوّل الداخلة إلى مائدة مغلقة ، يجلس عليها أصحاب البدلات ، بينما يُمنع أبناء البحر حتى من شمّ رائحة السمك!!
العار أن تُربّى الأحياء البحرية برعاية الدولة ، وتُدفن الأحياء البشرية بإهمالها!!!
العار أن ترفع شعار «التنمية» ، ثم تُغرق الأرض في مشاريع لا نرى منها سوى لافتات ، وعود ، وصفقات في الظل.
في الداخلة ، صار الوطن أشبه بشركة خاصة:
المدير معروف ، والموارد مملوكة ، والمواطن… موظف مؤقت دون راتب.
هنيئا لكم بهذا المجد الورقي… أما نحن ، فسنكتفي بمشاهدة السمك وهو يسبح في طائرات رجال الأعمال ، بينما نغرق نحن في برك الوعود!.