في الداخلة: الذهب الأزرق يُطهى على نار المصالح… والمواطن يُؤكل نيئا!

0 2٬404

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في مغرب الحكامة الرشيدة والشعارات الخجولة ، حيث يُكرَّم الفشل ويُكمَّم الفقير ، ٱستيقظنا ذات صباح على خبر عظيم:

«مليار و100 مليون سنتيم في مشروع تربية الأحياء البحرية بمدينة الداخلة!».

لا مشكلة ، إلا أن (الموقّعة) على المشروع ، و(المُستفيد) من المشروع ، ينتميان لنفس الحزب!!

وهنا ، يطلّ علينا وحش صغير ٱسمه «تضارب المصالح» ، لكن لا أحد يجرؤ على تسميته… لأننا في وطن يحيا على قاعدة:

«خذ ما تشاء… فقط لا تزعج الآلة الحزبية!!!»

 

نعم ، نفس الحزب ، نفس الكعكة ، نفس القسمة… والمواطن؟ لا شيء.

لا يُذكر ، لا يُستشار ، ولا حتى يُؤخذ رأيه كـ(بروتين بشري) ضمن دورة الإستغلال.

نحن في عصر لا يُخفى فيه الفساد… بل يُعلن عنه بفخر ، وتُقطع له الكاميرات الشريط الأحمر!

 

الداخلة ، هذه الجوهرة البحرية ، تُختزل اليوم في مشروع تربية أسماك ، بينما البشر يُتركون ليموتوا على قوائم الانتظار:

انتظار سرير في مستشفى غير موجود ، أو مقعد في قسم غير مجهز ، أو وظيفة تليق بكرامة الإنسان.

لكن من يهتم؟ مادامت الأسماك في طريقها إلى أوروبا في عبوات باردة ، والصفقات تُبرم في مكاتب دافئة!!

 

العار لا يكمن فقط في قيمة المشروع ، بل في خلفياته ، وتوقيته ، وهوية أصحابه.

فحين تلتقي السلطة بالمال داخل الحزب ، وتتحول المناصب إلى أبواب خلفية للمنافع الشخصية ، يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر!!!

– فهل نحن بصدد تنمية؟

– أم بصدد غنيمة؟

 

أما الإعلام الرسمي ، فكالعادة يصفق ، ويتحدث عن (خلق مناصب شغل!) وهمية ، ويصوّر المشروع كأنه إنجاز استراتيجي.

لكن ، الواقع أن فرص الشغل الحقيقية خُلقت فقط لعائلة المستثمر ، وأصدقائه ، وبعض العمال الموسميين الذين سيتقاضون الفتات ثم يُرمون كالشبكة البالية بعد موسم الصيد.

 

تربية الأحياء البحرية؟ في الداخلة؟ مدينة تُلقب بـ «جنة البحر» ، وغنية بثروات طبيعية تجعل من «اليابان» نفسها تحس بالغيرة… ثم يأتينا مسؤول يقول إنه يريد تربية السمك هناك؟

لا ، هو لا يريد تربية السمك ، بل يريد تربية الثروة… في حسابه البنكي!!

 

والساكنة؟ تعيش بين خيمتين:

خيمة الوطن الحالم ، وخيمة الواقع المؤلم.

أبناء الداخلة اليوم لا يطالبون بالكماليات ، بل بأساسيات الحياة: مدرسة حقيقية ، مستشفى لا يسرب الموت ، طريق لا تقتل ، وظيفة تحفظ الكرامة ، وكرامة لا تُعطى ببطاقة ٱنخراط حزبي!!!

 

الداخلة ليست مدينة فقيرة ، بل منهوبة.

ليست مهمّشة لأنها بعيدة ، بل مقصية لأنها غنيّة.

يُقال لهم: «ٱصبروا ، التنمية قادمة» ، لكنها دائما ما تحط في حسابات الآخرين أولا.

 

تضارب المصالح في هذا المشروع ليس سهوا ، بل أسلوب حكم.

والسكوت عنه ليس جهلا ، بل جزء من الصفقة.

 

في الداخلة ، تُفتح الأبواب للٱستثمار ، لكن فقط لمن يملك مفاتيح الحزب!

وتُغلق على المواطن الذي لا يملك سوى بطاقة تعريف وطنية ثقيلة لا تفتح حتى عيادة!!

 

أما الكرامة؟ فقد تم تجميدها في ثلاجات السمك ، جنبا إلى جنب مع مبادئ الشفافية!!!

 

فيا أبناء الداخلة… لا تبحثوا عن العدالة في نشرات الأخبار ، ولا تنتظروا الإنصاف في خطب الكرامة والتنمية.. فهنا ، التنمية تقاس بعدد اليخوت الراسية ، لا بعدد الأرواح الساقطة…

 

هنا ، الوطن للبيع… لكن الشراء حصري للنخبة.

أما أنتم؟ فأنتم الزينة في الصورة ، والديكور في التقارير ، والظل في الحفل ، والصدى في التصفيق.

 

لا مدارس ، لا مستشفيات ، لا مصانع… فقط رخص تُمنح ، وصفقات تُحاك ، وأرض تُسلخ ، وأنتم تنامون في خيام الوطن ، بينما الوطن نائم في فنادق الخارج!

 

في الداخلة ، السمك يصعد في الطائرة ، والإنسان يُدفن في رمال التهميش.

 

العار يا سادة ، ليس أن تبيع الوطن… بل أن تُقسّمه مثل قالب حلوى فاسد ، توزّع أنصبة الثروة على المقربين ، وتترك الشعب يلعق الأصابع الفارغة من كل شيء إلا الألم.

 

العار أن تُحوّل الداخلة إلى مائدة مغلقة ، يجلس عليها أصحاب البدلات ، بينما يُمنع أبناء البحر حتى من شمّ رائحة السمك!!

 

العار أن تُربّى الأحياء البحرية برعاية الدولة ، وتُدفن الأحياء البشرية بإهمالها!!!

 

العار أن ترفع شعار «التنمية» ، ثم تُغرق الأرض في مشاريع لا نرى منها سوى لافتات ، وعود ، وصفقات في الظل.

 

في الداخلة ، صار الوطن أشبه بشركة خاصة:

المدير معروف ، والموارد مملوكة ، والمواطن… موظف مؤقت دون راتب.

 

هنيئا لكم بهذا المجد الورقي… أما نحن ، فسنكتفي بمشاهدة السمك وهو يسبح في طائرات رجال الأعمال ، بينما نغرق نحن في برك الوعود!.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.