عندما تصبح المساواة مرادفاً* *للحصيص* :

0 156

*
*من تكافؤ الفرص إلى إعادة إنتاج* *الامتيازات*

بقلم *الدكتور محمد محاسن*

 

أضحت قضية المساواة بين الرجل والمرأة، خلال السنوات الأخيرة، من أكثر القضايا حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي والحقوقي. بيد أن كثافة التداول لا تعني دائمًا وضوح الرؤية، إذ كثيرًا ما تُفرغ المفاهيم النبيلة من معناها الحقيقي عندما تستعمل استعمالًا يُحوّلها إلى أدوات وظيفية تخدم حسابات انتخابية وسياسية أكثر مما تخدم الإنسان وقيمة العدالة ذاتها.

من هذا المنطلق، ظللت أعتبر أن جزءًا مهمًا مما يُقدَّم اليوم باسم “المساواة” لا يعكس بالضرورة جوهرها العميق، بقدر ما يعكس توظيفًا مرحليًا لمفهوم مشروع يراد به في كثير من الأحيان غير ما يُعلن عنه.

فالمساواة، في معناها الحضاري والإنساني، لا يمكن أن تقوم على الامتيازات الدائمة، ولا على إعادة توزيع المواقع وفق منطق الحصيص، وإنما على ترسيخ شروط التنافس الحر والعادل المبني على الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص. أما حين تتحول “الكوطا” من إجراء استثنائي محدود في الزمن إلى آلية شبه دائمة لإنتاج التمثيلية، فإنها تُفرغ المبدأ نفسه من محتواه، وتحوّل النقاش من بناء الكفاءة إلى تدبير الأرقام والنِّسب.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن الخطاب الذي يُقدَّم باعتباره دفاعًا عن المرأة قد ينتهي – أحيانًا – إلى تكريس صورة ضمنية تنتقص منها. فحين يُقال، بشكل مباشر أو غير مباشر، إن المرأة تحتاج باستمرار إلى حماية تنظيمية أو سياسية لتصل إلى مواقع القرار، فإن الرسالة الضمنية التي تُبث داخل المجتمع هي أنها غير قادرة على فرض ذاتها بقوة الجدارة وحدها.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أليس في ذلك انتقاص من قيمة المرأة بدل إنصافها ؟

فالمرأة المغربية أثبتت، في ميادين كثيرة، قدرتها على التفوق والإبداع والقيادة حين تتوفر شروط التنافس النزيه. في الجامعة والقضاء والطب والهندسة وريادة الأعمال والعمل الدبلوماسي، برزت نماذج نسائية مشرّفة لم تصل عبر منطق الشفقة المؤسساتية، بل عبر العمل والكفاءة والإصرار.

إن الإشكال الحقيقي، في تقديري، لا يكمن في المرأة، بل في البنيات الحزبية والإدارية التي كثيرًا ما تُخضع التمثيلية والتعيينات لمنطق الولاءات والمحسوبية والتوازنات الضيقة. فبتْنا نجد أنفسنا، في بعض الأحيان، أمام حضور شكلي باهت لا يعكس حقيقة الطاقات النسائية الموجودة داخل المجتمع، بل يُنتج صورة مرتبكة عن الأداء والتمثيل.

وفي المقابل، تُهمَّش كفاءات نسائية حقيقية، أو تنكمش على ذاتها، لأنها تدرك أن معايير الاختيار لا تقوم دائمًا على الشفافية والاستحقاق، بل على القرب من دوائر النفوذ والحسابات الانتخابية. وهنا تتحول القضية النسائية نفسها، في بعض الممارسات، من مشروع للتحرر والتمكين إلى رأسمال رمزي وسياسي يُستثمر لإعادة إنتاج المواقع والمصالح.

والمثير للانتباه أيضًا أن بعض التنظيمات التي تتحدث باسم الدفاع عن المرأة تبدو، في ممارسات معينة، وكأنها تركز على الدفاع عن آليات الحصيص أكثر من تركيزها على بناء شروط المنافسة العادلة وصناعة الكفاءات النسائية القادرة على فرض حضورها الطبيعي داخل المجتمع والمؤسسات. وبذلك يتحول النقاش، أحيانًا، من سؤال: ،” كيف نبني نساء قياديات قادرات على التأثير ؟ ” إلى سؤال أكثر ضيقًا : ،” كم عدد المقاعد التي ينبغي تخصيصها ؟ “.

إن الفرق شاسع بين تكافؤ الفرص وتكافؤ النتائج.

فتكافؤ الفرص يعني إزالة العراقيل التي تمنع الأفراد – رجالًا ونساءً – من التنافس العادل. أما تكافؤ النتائج فيعني السعي إلى فرض نتائج مسبقة باسم العدالة، حتى وإن لم تعكس دائمًا منطق الاستحقاق والكفاءة.

إن المجتمعات التي تنهض فعلًا ليست هي تلك التي توزع المواقع وفق الانتماءات البيولوجية أو الفئوية، بل تلك التي تجعل الكفاءة معيارًا أعلى من كل الاعتبارات الأخرى.

لذلك، أؤمن شخصيا بأن المساواة الحقيقية لا تعني اقتسام المناصب بالتقسيط بين الجنسين، وإنما إخضاع الجميع لمعيار واحد: الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز. فإذا أثبتت المرأة أنها الأجدر، فلتتولَّ 100٪ من المناصب، لا بمنطق الامتياز، بل بمنطق الجدارة الحرة.

أما الاستمرار في منطق “أنصاف الحلول”، والرضا بتمثيلية رمزية تُستثمر انتخابيًا وإعلاميًا، فإنه لا يخدم المرأة بقدر ما يُكرس تبعيَتها لمنظومات سياسية تستفيد من حضورها العددي أكثر مما تؤْمن فعلًا بقدراتها.

إن المساواة التي تستحق الدفاع عنها ليست مساواة الأرقام، بل مساواة القيمة الإنسانية؛ ليست مساواة الحصيص، بل مساواة الاستحقاق؛ ليست مساواة تُعيد إنتاج الوصاية في صورة جديدة، بل مساواة تُحرر الإنسان – رجلًا كان أو امرأة – عبر العدالة الحقيقية وتكافؤ الفرص والاعتراف بالكفاءة وحدها كمعيارٍ للارتقاء والمسؤولية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.