صلب على الطريقة المغربية!…

0 54

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في زمن لم يعد فيه العجب مستغربا، جاءت زيارة كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، “لحسن السعدي”، إلى اليونان، حاملة معها أكثر من مجرد برنامج رسمي أو مجاملات دبلوماسية.

فقد حملت، في رمزيتها الثقيلة، مرآة صادقة لواقع مغربي يئن تحت وطأة ما لم يعد يخفى ولا يجمل.

 

صليب من خشب العرعار، منقوش بأنامل مغربية، يهدى لراهب يوناني… مشهد قد يبدو للبعض دافئا، مشبعا بروح التسامح والتبادل الثقافي.. لكن، في عمقه يكاد يصرخ بحقيقة مرة:

«نحن لا نصدر الحرف التقليدية فقط، بل نصدر دون وعي رموزا تختزل وضعنا الداخلي، وكأننا نقول للعالم: لدينا من الصلب ما يكفي للجميع!».

غير أن الصلب هنا ليس عقيدة ولا تاريخا، بل واقع يومي يتقنه المغاربة عن ظهر معاناة.

صلب لا يحتاج إلى مسامير، لأن أدواته أكثر تطورا:

(فواتير مرتفعة، خدمات منهكة، ووعود لا تنتهي…).

صلب في الأسواق حيث الأسعار ترتفع كأنها تنافس السماء، بينما الأجور ثابتة كأنها جزء من التراث اللامادي.

صلب في المستشفيات حيث يتحول المرض إلى ٱمتحان للقدرة على الدفع قبل أن يكون ٱمتحانا للجسد.

صلب في المدارس حيث يعلم الأطفال كيف يحلمون… ثم يتركون ليكتشفوا لاحقا أن الحلم مكلف أكثر من الواقع.

ويا للمفارقة، لم يعد المواطن يحتاج إلى من يقنعه بأنه يعاني، فقد صار الألم لغة يومية يتقنها دون ترجمة، يقف في الطابور، لا لشيء، بل لأنه ٱعتاد الوقوف.

ينتظر، لا أملا في الفرج، بل لأنه تعود الٱنتظار.

يبتسم أحيانا، لا فرحا، بل ٱتقاء لانهيار وشيك.

أما الحكومة، فتبدو في أحسن تجلياتها، كمن يتقن إدارة الأزمات عبر تسميتها بغير أسمائها.

الغلاء يصبح (تحولات دولية). والتراجع يصير (إصلاحا تدريجيا). والٱختناق يقدم على أنه (مرحلة ٱنتقالية).

وهكذا، يتحول الخطاب إلى نوع من التسكين اللغوي، بينما الجرح يزداد عمقا وٱتساعا.

إنه صلب من نوع خاص، لا يرى بالعين المجردة، لكنه محسوس في كل تفاصيل الحياة.

صلب يجعل المواطن معلقا بين رغبة في الصراخ، وعجز عن تغييره.

لا يموت، ولا يترك ليعيش كما ينبغي، بل يترك في حالة وسطى، حيث الألم مستمر، والأمل مؤجل.

ولعل أخطر ما في هذا كله، ليس القسوة ذاتها، بل ٱعتيادها!.

 

حين يصبح الغلاء خبرا عاديا، والتراجع أمرا متوقعا، والخذلان تفصيلا يوميا، نكون قد دخلنا مرحلة لا يخشى فيها من الأزمة… بل من التعايش معها.

هنا، لا يعود السؤال:

– ماذا حدث؟

بل:

– كيف أصبح هذا يحدث دون أن يهتز شيء؟

– وكيف صار المواطن يجر صليبه بصمت، لا لأنه لا يشعر بثقله، بل لأنه فقد الثقة في أن أحدا سيحمله عنه، أو حتى يخففه قليلا؟

إنها لحظة فارقة، لا تحتاج إلى خطب طويلة، بل إلى صدق نادر.

لأن الشعوب لا تصلب فقط حين تقهر، بل حين يطلب منها أن تبتسم وهي تتألم… وتصفق لمن يحسن شد المسامير.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.