بقلم: سمير بوزيد
باحث في الشؤون المالية والإدارية – ناشط في مجال حماية المال العام ومكافحة الفساد
بادئ ذي بدء، لا يمكن فهم ظاهرة طلبات الإعفاء من التفويض في تدبير المرافق العمومية بمعزل عن السياقين المتداخلين: تقارير “الشؤون الداخلية” بعمالات جهات المملكة، والتقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024. فما كشفته التقارير الإدارية من تصاعد مقلق في طلبات الإعفاء من التفويضات، خاصة في مجالات تدبير الصفقات العمومية والتعمير والإنارة والنظافة والماء والكهرباء، يجد صدى واضحاً في معطيات التقرير الرقابي الذي رصد خسائر مالية تجاوزت 2.3 مليار درهم نتيجة إعفاءات غير مبررة في عقود التدبير المفوض.
في مستهل الحديث عن هذه الظاهرة، ينبغي أن نقر بأن طلبات الإعفاء من التفويض لم تعد مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل تحولت إلى وسيلة للتنصل الاستباقي من المسؤولية. فالنواب المفوض لهم، الذين كانوا يتحملون مسؤولية تدبير قطاعات حساسة، أصبحوا يلوذون بطلب الإعفاء لتجنب تداعيات الرقابة المشددة التي فرضتها المصالح المركزية بوزارة الداخلية، خاصة بعد سلسلة من المهام التفتيشية التي أنجزتها لجان المفتشية العامة للإدارة الترابية.
في مقام موالٍ، تتقاطع معطيات التقارير الإدارية مع ما ورد في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول “قصور في إعمال المراقبة المنوطة بالمفوض” و”ضعف نظام الرقابة الداخلية”. فالسبب الجذري لهذه الظاهرة لا يكمن في النصوص القانونية وحدها، بل في عدم تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة. وقد عبر أحد النواب المفوض لهم عن ذلك بقوله إن هناك “اختلالات تنظيمية وإدارية وتعثرات في معالجة الملفات وإخراج المشاريع إلى حيز التنفيذ”.
وناهيك عن ذلك، تشير التقارير الإدارية إلى أن بعض التفويضات المتخلى عنها شكلت موضوع صراع بين مكونات مجالس جديدة خلفت مجالس سابقة بعد عزل رؤساء وأعضاء من قبل القضاء الإداري. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الظاهرة تجاوزت الإطار الإداري إلى أبعاد سياسية وقضائية، حيث أصبح طلب الإعفاء أداة ضغط في صراعات المجالس المنتخبة.
على المستوى النظري، تنبني ظاهرة الإعفاءات غير المبررة على مفهوم خاطئ للتدبير المفوض، حيث يفترض التوازن بين حقوق والتزامات الطرفين، لكن الواقع يُظهر اختلالاً واضحاً لصالح النواب الذين يطلبون الإعفاء. ويشير تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى أن 70% من العقود التي أبرمتها الجماعات الترابية لم تتضمن آليات رقابية فعالة، مما سهل حدوث هذه التجاوزات.
على المستوى العملي، تتجلى الظاهرة في صور متعددة: عدم تطبيق الأسعار المحددة في القرارات الجبائية، والتقصير في تحصيل الرسوم، والاستمرار في تحمل أعباء كراء الأرض رغم توقف الأشغال لسنوات. وقد أشار تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى حالات “الإشهاد غير الصحيح على تسلم أشغال غير مطابقة للمواصفات”، حيث بلغت نسبة هذه الحالات 25% من إجمالي الصفقات التي تم تدقيقها.
على المستوى الإجرائي، تعود هذه الإعفاءات إلى ما وصفته التقارير الإدارية بـ”التسيير الانفرادي للصلاحيات المفوضة”، حيث قفز رؤساء مجالس على التطبيق الحرفي لدورية وزارة الداخلية المتعلقة بالإجراءات الخاصة بتفويض الإمضاء أو صلاحيات رئيس مجلس الجماعة. وهذا ما أكده تقرير المجلس الأعلى للحسابات بالإشارة إلى “الإخلال بقواعد الصفقات” و”الإشهاد غير الصحيح”.
—
إن الأصل في تدبير المرافق العمومية هو مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وهو ما يشكل جوهر الباب الأول من تقرير المجلس الأعلى للحسابات. لكن الواقع يُظهر انتهاكاً لهذا المبدأ بشكل متكرر، حيث تذكر حالات “الإخلال بقواعد الصفقات” و”الإشهاد غير الصحيح”. ولا مناص من القول إن هذه الأفعال تستوجب عقوبات تأديبية وجنائية، خاصة في ظل وجود قرائن على أفعال ذات صيغة جنائية.
إنه من الأساسي أن ندرك أن طلبات الإعفاء من التفويض أصبحت، حسب التقارير الإدارية، ظاهرة متنامية قد تتحول إلى “وسيلة للتنصل الاستباقي من المسؤولية” في ظل تشديد سلطات الوصاية رقابتها على تدبير الشأن المحلي. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لجماعة ترابية أن تمنح إعفاءات لنفس المقاولات دون أن يحرك أحد ساكناً؟ هذه الممارسات تكشف عن وجود شبكات علاقات غير صحية، وربما عن ممارسات تجاوزت الإطار الإداري إلى أبعاد أخرى أكثر خطورة.
—
تنبني تقنية التحليل التي اعتمدتها المحاكم المالية على مبدأ التمييز بين الملاحظات المتعلقة بالتدبير وأفعال المسؤولية. وهذا التمييز ضروري لفهم طبيعة الإعفاءات الممنوحة. فالإعفاءات التي تمنح بناءً على قرارات إدارية غير سليمة تدخل في خانة أفعال المسؤولية، في حين أن الإعفاءات الناتجة عن سوء تقدير تدخل في خانة الملاحظات التدبيرية.
لكن يبقى التساؤل المطروح بقوة: لماذا تستمر هذه الظاهرة رغم وجود آليات رقابية؟ والإجابة تعود إلى عدة عوامل: ضعف نظام المراقبة الداخلية، وغياب التنسيق بين المقاربات القطاعية، وقصور في تحديد الحاجيات عند إعداد الصفقات، وأيضاً إلى حالة الصراع داخل المجالس الجماعية كما أشارت التقارير الإدارية.
وفي هذا الإطار، نقترح مجموعة من الحلول المستخلصة من كلا النصين: تعزيز آليات الرقابة الداخلية، وتحديد الحاجيات بدقة قبل إبرام أي عقد تدبير مفوض، وإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية قبل الشروع في أي مشروع، والفرض التلقائي للرسوم على الملزمين المتخلفين، وتطبيق الجزاءات المقررة في الصفقات عن الإخلالات، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة تدبير المرافق العمومية.
—
ومن الضروري أن ندرك أن ظاهرة طلبات الإعفاء من التفويض هي أحد أعراض مرض أعمق يتعلق بمنظومة التدبير المفوض برمتها. فالعقود التي تبرمها الجماعات الترابية مع القطاع الخاص تحتاج إلى إعادة نظر شاملة، بحيث يتم وضع آليات فعالة للرقابة والمتابعة.
ولذلك يجب الأخذ في الحسبان أن إصلاح هذه المنظومة يتطلب أكثر من مجرد تعديلات قانونية. فهو يتطلب تغييراً في الثقافة الإدارية، وترسيخاً لمبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة، وهو ما أكدته دورية وزارة الداخلية التي ميزت بين التفويض في الصلاحيات والتفويض في الإمضاء.
ولعل من المفيد أن نؤكد أن التجارب الدولية الناجحة في تدبير المرافق العمومية تثبت أن نجاح التدبير المفوض مرهون بوجود إطار قانوني واضح، وآليات رقابية فعالة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وإرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد.
في الختام، يمكن القول إن ظاهرة الإعفاءات غير المبررة، التي كلفت خزينة الدولة أكثر من 2.3 مليار درهم وفق تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ليست مجرد إشكالية إدارية، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بمبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة. وإذا كانت التقارير الإدارية قد رصدت تصاعداً مقلقاً في طلبات الإعفاء من التفويض، فإن الأمل معقود على أن تشكل هذه المعطيات دافعاً قوياً للإصلاح، وليس مجرد أرقام في تقارير تُنسى.
فالمسؤولية مشتركة، والتحدي كبير، لكن النتائج ستكون أكبر إذا تحركنا الآن. يبقى مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” هو الضمانة الوحيدة لبناء دولة القانون والمؤسسات، وحماية المال العام من أي عبث.
سمير بوزيد
مهتم ب الشؤون المالية والإدارية
ناشط في مجال حماية المال العام ومكافحة الفساد
نائب رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب سابقا و احد مؤسييها