شاعرات الهايكو بالمغرب.. مبدعات يحترفن تطويع اللغة ومشاكسة التقليد

0 770

هن شاعرات اخترن، وهن يتلمسن خطواتهن الأولى في مسيرة الإبداع، جنسا تعبيريا جمعن فيه بين رهافة الحس وشغب اللغة وجرأة تكسير جمود القوالب الجاهزة للقول الشعري عبر الإبحار في عوالم شعر “الهايكو” الياباني.

في نصوصهن الشعرية وومضاتهن النصية، التي استلهمن فيها قواعد إبداعية خاصة أفرزتها ثقافة ظلت لسنين عديدة بعيدة عن دائرة اهتمام المبدعين المغاربة، روح شفافة تلتقط التفاصيل والمشاعر في علاقتها بالمكان والزمان الطبيعي، بلغة إنسانية تنشد البساطة في الكشف عن عمق محيطهن .

هي خيارات إبداعية تنوعت منابعها بين شاعرة وأخرى، إذ عزت الشاعرة لطيفة الوردي، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء ، احتفاء بإبداعات النساء في عيدهن العالمي، اختيارها ” الهايكو” لكونها وجدته “جميلا جدا ومثيرا للإعجاب، فكاتب الهايكو، بدقة ملاحظته ورهافة حسه، يلتقط مشهدا أدهشه ويحاول، بأقل عدد من الكلمات، أن ينقل هذا الإحساس وهذه الدهشة الى المتلقي أو القارئ”، ومنه قولها “القمر على صفحة الماء/ بغرفة واحدة أشربه!…”.

الدهشة والقدرة البليغة على وصف ما تلتقطه العين من مشاهد كانا أيضا عاملين جذبا الهايكيست (الاسم الذي يطلق على شاعر الهايكو) هدى بنادي، التي ذهبت إلى أن اللجوء إلى الهايكو هو بحث عن معنى وبناء جديدين للقصيدة، مشيرة إلى أن ” إحساسنا بالوجود وبالحياة وباللغة وبالشعر وجدواه يعرف منعطفا حاسما اليوم، ويحتاج بلاغة جديدة تعبر عن رؤى الأجيال الجديدة”.

فهذه الشاعرة، التي درست الأدب الانجليزي في تعليمها الجامعي، تحولت عنه إلى الإبداع في مجال الشعر العربي، مؤمنة أنها “لا تصنع القصيدة صناعة، ولكنها تأتي إلي وحدها…عندما يجيئني فرح، يجيئ معه جمال القصيدة”.

أما لطيفة الصياغ، التي قالت إنها تعرفت على هذا اللون التعبيري عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنتقل من شغف القراءة إلى هوس الإبداع، فقد أبانت عن “إعجابها الكبير بكم الدهشة الكامن في القبض على المشهد في ذروته القصوى عبر تعبير مكثف، يوفي لهذا المشهد حقه”.

وهي اللحظة التي حاولت توثيقها في منظومتها “خوفا من أن تطبق عليه ضفتاه// يجري النهر هاربا ولا يلتفت// فيما الضفتان مكانهما// عالقتان بجسر”، ساعية بذلك إلى خلق حالة من الدهشة لدى قارئ هذا النص.

فالهايكو، الذي يصطلح على تعريفه بكونه قصيدة نثر غنائية قصيرة من بيت واحد يتألف من ثلاثة أسطر شعرية، دخل المجال الثقافي المغربي بداية ثمانينيات القرن الماضي ، ليسجل انتشارا كبيرا بين صفوف الشعراء الشباب على الخصوص في العقدين الأخيرين بفضل الثورة الرقمية وسطوة وسائط التواصل الاجتماعي التي شكلت محضنا لبروز عدة مجموعات شعرية مختصة في هذا الصنف.

وقد شكل هذا المحضن الشعري بالنسبة لهؤلاء الشاعرات الثلاث مقامة للاحتفاء بجمال الوجود وكائناته عبر إثارة الدهشة والفرح، من خلال مرآة شاعرة تعكس جنوح المرأة عادة نحو كل ما ينبع من الطبيعة، وروحها التواقة إلى حصر مكامن الجمال في هذا الكون الشاسع.

ورغم أن شاعرات الهايكو أظهرن قدرة كبيرة على ممارسة الشغب الشعري، وتسجيلهن حضورا قويا في مختلف منتديات هذا الفن على المستويين الوطني والعربي، إلا أن الشاعرات المحتفى بهن اعتبرن أن ذلك لا يصوغ الحديث عن وجود خصوصية نسائية في الإبداع، إذ أن المرأة والرجل، وكما ترى ذلك الشاعرة لطيفة الوردي، “لا يتفاوتان في هذا الفن إلا بدرجة الإحساس والانتباه ودقة الملاحظة”.

وفي الاتجاه ذاته تنفي هدى بنادي أن تكون للمرأة طقوسها الخاصة في الكتابة، أو أن تكون هناك فوارق بينهما أدبيا، معتبرة أن الحديث عن كتابة نسائية “يبقى أمرا نسبيا إلى حد ما، لطالما كتبت أنا الأنثى بصيغة المذكر والعكس صحيح”.

لتضيف أن “ما يميز أية ممارسة إبداعية هو قيمتها الجمالية، ولا يمكن أن نبخس أيا من الجنسين حقه في كتابة الشعر”، إذ هما معا، بالنسبة إليها، “يصنعان الحياة بما فيها قصائد هايكو جميلة”.

وفي الاتجاه ذاته، نوهت لطيفة الصياغ إلى أن ” التصنيف الذي يميز بين قصيدة نسائية وأخرى رجالية ليس منصفا في حق المرأة وحتى في حق الرجل، فالقصيدة يحكمها إطار واحد هو الكتابة الإبداعية ولكل منهما مواهبه وتوجهاته في كل الأجناس الأدبية”.

والنقاش بشأن خصوصية الكتابة عند شاعرات الهايكو، يعلوه نقاش آخر أكثر عمقا يخص تأصيل هذه القصيدة وإثبات مدى قدرتها على التكيف مع خصوصيات الثقافة المحلية، خاصة وأنه قادم من الشرق القاصي عن هذه الثقافة التي ظلت وفية للتيارات الوافدة إليها من الغرب ومن المشرق العربي.

وبهذا الخصوص تقول هدى بنادي إن “استلهام تجربة الهايكو الياباني ليس أمرا مستغربا أو مستهجنا، فالشاعر العربي كان دائما مبدعا ومستلهما لشعر العالم ليجدد ماء قصيدته، عبر فتح نوافذ الشعرية العربية على التجريب واستدماج أشكال من التعبير الغنائي والدرامي والملحمي في القصيدة العربية”.

غير أنها استدركت أن هذا التجريب كان يتم بوعي بقواعد تلك الأنماط الشعرية، وبرؤية مفادها أن الشعر هو إرث إنساني، مؤكدة أنه “ليس هناك من يقول بضرورة تقليد الهايكو الياباني الكلاسيكي، وذلك لاعتبارات ثقافية وشكلية صرفة من جهة، ولأن اليابانيين أنفسهم، مبدعو هذا النمط من الشعر الوجيز، يكتبون الهايكو اليوم متحررا من لوازمه التقليدية، بل ومخصبا بشعريات العالم المعاصر بعد نهاية عصر عزلة اليابان وانفتاحها على الغرب بشكل خاص”.

لتشدد على أن محاولة استنبات نمط شعري ما في حقل الشعر العربي “تحتاج كشفا وجهدا ومعرفة عميقة بالقواعد المؤسسة له”، مشيرة إلى أن رؤية الأشياء تأتي محملة بقيم وفكر، وليست قالبا فارغا من أي محتوى، ما يفرض على الشعراء والمشتغلين على هذا الموضوع جملة تحديات تخص البحث والدراسة الحثيثة لنقل التجربة، في أفق إنضاجها لإفراز “قصيدة هايكو عربية”.

وبرأي الكاتب والباحث سعيد منتسيب، فإن الشعراء المغاربة ” لهم كامل الحرية في اختيار اللون الشعري الذي يلائم تطلعاتهم إلى البحث عن “شعريات ” أخرى تستجيب لأفقهم الشعري”، مشيرا إلى أن ” المبدأ، في كل ممارسة فنية وتعبيرية، هو الحرية”.

غير أنه نبه، في حديثه للوكالة، إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن ” في تلك المحاولات التي تحاول أن “تؤصل” الذي لا يمكن تأصيله”، على اعتبار أن الهايكو “يحمل شحنة دينية لها خصوصيتها التي يصعب إسقاطها ضمن مجال ثقافي مغاير تماما”.

فبالنسبة إليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بطريقة تعامل الشعراء المغاربة مع هذا التعبير الإبداعي، كاحتمال شعري زاخر بممكنات تقنية وجمالية مغايرة للمطروق والسائد، أم كاختيار فلسفي له نسقه الخاص القائم على تحقيق “التوازن العادل بين مبدأ الخلود والظهور المفاجئ لحدث عابر أو تافه”.

ويذهب في هذا السياق إلى أن الهايكو هو نموذج للقول الشعري وراءه تاريخ وفلسفة وقاعدة اجتماعية ودينية مهمة، مبرزا أن الشعراء المغاربة أمامهم ممكنات شعرية كثيرة ينبغي أن تطرق أبوابها بقوة وإلحاح، منها تلك الإيقاعات المغربية الأصيلة التي بإمكانهم أن يدخلوا أزمنتها، لا لإعادة إنتاجها، بل لتفكيكها وإعادة بنائها”.

وأردف قائلا ” إنني أحلم بشعر يضج بالإيقاعات المغربية.. شعر يمجد العيوط والطقاطيق والموسيقى الكناوية.. بشعر لا يفوت قطرة واحدة من بحر الإيقاعات المغربية المصطخب.. بشعر حي يشبهنا كثيرا”.

وبناء على كل ذلك، فهو يرى أن قصيدة ” الهايكو” المغربية تحتاج، سواء أكان كاتبها ذكرا أم أنثى، إلى وقفة تأمل حقيقية مع الذات، ومع ثقافتها، ومعتقداتها وبيئتها، دون أن يمنعه ذلك من أن يقر بأنه “يقرأ باستمتاع شعرا جميلا يطلق عليه أصحابه “هايكو”، وهو في العمق شعر إيمائي متزن وعميق، وذو جمال مجرد، وفيه سكينة وخفة وتأمل”.

ورغم هذا النقاش الأدبي حول هذا اللون الشعري، وأيا كانت الخلاصات التي يمكن الخروج بها من هذا النقاش، تبقى لهذه التجربة الإبداعية إيجابياتها بالنسبة لتنويع المنتج الشعري، خاصة لدى شاعرات المغرب المتطلعات إلى بصم هذا المنتج بلمساتهن الخاصة.

وهن إذ يحتفلن في كل يوم بالكلمة المرهفة والحساسة، لا يؤمن بأن للمرأة عيد واحد، فالاحتفاء الحقيقي بهذا الكائن المرهف والرقيق، بالنسبة لهدى بنادي، يكون بالوعي التام بضرورة تمكينها من كافة حقوقها، دون اختزال قضيتها في يوم واحد فقط، فيما عبرت لطيفة الصياغ عن اعتقادها بأن “كل أيام السنة أعياد للمرأة بنجاحاتها وإخفاقاتها في المعيش اليومي بالبيت وخارجه، والثامن من مارس ما هو إلا يوم احتفال بكل هذه الأعياد”.

بينما ترى لطيفة الوردي أن ” الثامن من مارس، فرصة لإبراز تطور المجتمع في تمثلاته لأدوارها في مجالات شتى”، مسجلة أن “المرأة الكاتبة أكثر إحساسا بمحيطها وأكثر حملا لهموم مختلف فئاته، وأن قضية المرأة ستبقى مصدرا من مصادر الانشغال الدائم لديها”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.