رحلت أمي إلى رحمة الله وبقي في القلب سؤال لا يفارقني: أين كانوا عندما كانت خالتهم في أمسّ الحاجة إليهم؟
مكثت أمي ثلاثين يومًا في قسم الإنعاش، تصارع المرض، وكانت في أمسّ الحاجة إلى دعوة صادقة، وكلمة طيبة، وزيارة من الأقارب والأحبة. لكن كثيرين غابوا، ولم يطرقوا باب المستشفى، رغم أن صلة الرحم من أعظم القربات، ورغم أن الإنسان لا يدرك قيمة وجود من يحب إلا عندما يفقده.
كانت أمي تحب عائلتها حبًا صادقًا وعظيمًا، ولم تكن تحمل في قلبها حقدًا أو كراهية لأحد. كانت تفرح لفرحهم، وتحزن لحزنهم، وتسأل عن الكبير قبل الصغير، وتحرص دائمًا على جمع شمل الأسرة، مؤمنة بأن المحبة وصلة الرحم هما أساس استقرار العائلة. وكانت تتمنى أن ترى الجميع متحابين ومتسامحين، بعيدًا عن الخلافات والقطيعة.
لكن الدنيا اليوم أصبحت مليئة بالفتن والانشغالات، حتى فرّقت بين أفراد العائلة الواحدة. وأصبح خلاف بسيط كافيًا ليهدم سنوات من المحبة، مع أن المرض والموت يذكراننا بأن الحياة قصيرة، وأن التسامح خير من الخصام، وأن اللقاء على المحبة أفضل من الندم بعد الفراق.
لقد رحلت أمي وهي تحمل في قلبها محبة الجميع، ولم تكن تتمنى من أحد إلا الدعاء والزيارة والكلمة الطيبة. وكانت تؤمن بأن العائلة هي السند الحقيقي للإنسان في أيام الشدة، وأن صلة الرحم عبادة عظيمة أمر الله بها، وأن من يصل رحمه ينال البركة في عمره ورزقه.
واليوم، وبعد أن رحلت أمي إلى ذمة الله، أدركت أكثر من أي وقت مضى أن الدنيا زائلة، وأن المال والمناصب والخلافات كلها لا تساوي لحظة مع من نحب. يبقى الندم رفيق من قصّر، أما من فقد أمه، فإنه يحمل في قلبه فراغًا لا يملؤه شيء، وحنينًا لا ينتهي، وذكريات تبقى حاضرة في كل لحظة.
رحمكِ الله يا أمي، كنتِ الحضن الدافئ، والوجه البشوش، والقلب الذي لا يعرف إلا الحب والعطاء. كنتِ مثالًا للأم الرحيمة التي أحبت الجميع دون انتظار مقابل، وغرست فينا قيم المحبة والتسامح وصلة الرحم.
أسأل الله أن يتغمدكِ بواسع رحمته، وأن يجعل قبركِ روضة من رياض الجنة، وأن يغفر لكِ ويرفع درجاتكِ في عليين، وأن يجمعنا بكِ في الفردوس الأعلى، وأن يرزق كل إنسان برّ والديه، وصلة رحمه، والتسامح مع أهله قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ولا يبقى للإنسان إلا عمله الصالح ودعاء من أحبهم.