*دار الوفاء بفاس… حين يصبح السؤال أكبر من جدران المؤسسة!* .

0 200

✍🏼بقلم: الكاتب الصحفي
[*ذ.هشام الدكاني*]

ليست كل القضايا التي تصل إلى قاعات المحاكم مجرد ملفات جنائية تنتهي بأحكام، بعضها يضع المجتمع بأكمله أمام مرآة محرجة، ويجبر المؤسسات على طرح أسئلة كان ينبغي أن تطرح منذ البداية.
وقضية مركب “الوفاء” بفاس واحدة من هذه القضايا.
فالمؤسسة التي يفترض أن تكون فضاء للحماية والرعاية والٱحتضان، خصوصا بالنسبة إلى أطفال يوجد بعضهم دون سند أسري، أصبحت اليوم في قلب ملف قضائي ثقيل، بعدما قررت «النيابة العامة لدى محكمة الإستئناف بفاس»، أمس الخميس، متابعة 12 شخصا في حالة ٱعتقال وإيداعهم السجن المحلي “بوركايز”، مع إحالتهم على غرفة الجنايات الإبتدائية، فيما تقررت متابعة ستة أشخاص آخرين في حالة سراح.
وحددت المحكمة يوم 28 شتنبر الجاري موعدا للشروع في محاكمتهم.

القضية، وفق المعطيات، تتعلق بٱشتباهات بالغة الخطورة، من بينها الإتجار بالبشر وتحريض قاصرين على البغاء وٱرتكاب سرقات، وهي أفعال منسوبة إلى المتابعين في إطار المسطرة القضائية، وليست أحكاما نهائية في حقهم.
فالمحاكمة وحدها هي التي ستحدد المسؤوليات الفردية، وما إذا كانت الوقائع المنسوبة قد ثبتت بالأدلة القانونية أم لا.
لكن، بعيدا عن لغة المحاضر والإتهامات، هناك سؤال أكثر إيلاما:
– كيف يمكن أن يصل الأمر داخل مؤسسة يفترض أن تحمي أطفالا في وضعية هشاشة إلى مرحلة يصبح فيها عدد المتابعين بالعشرات؟
فالـ12 المعتقلين لا ينتمون، بحسب المعطيات المنشورة، إلى موقع واحد داخل المؤسسة:
✓بينهم رئيس الجمعية الحالي
✓مديران سابقان
✓مربيات ومؤطرات
✓حارسا أمن خاص ✓مسؤولة سابقة عن المستودع
كما يتابع ستة أشخاص آخرون في حالة سراح، من بينهم مسؤولون سابقون وأشخاص كانت لهم صلة بالمؤسسة أو بخدمات مرتبطة بها.
وهنا تحديدا يجب ألا يضيع السؤال المركزي وسط ضجيج القضية:
– هل نحن أمام أفعال فردية محتملة، أم أمام ٱختلالات في منظومة التدبير والمراقبة والحماية؟

الفرق بين السؤالين كبير…
فإذا أثبت القضاء أن بعض الأشخاص ٱرتكبوا أفعالا إجرامية، فالمسؤولية يجب أن تكون شخصية ومحددة، ولا يجوز تحميل كل العاملين أو كل المؤسسة ما قد يثبت في حق أفراد بعينهم.
لكن، في المقابل، إذا كشفت المحاكمة وجود ٱختلالات مستمرة أو تقصير في آليات المراقبة والحماية، فإن القضية لن تعود مجرد قصة أشخاص أمام المحكمة، بل ستصبح قضية حكامة ورقابة ومسؤولية مؤسساتية.
والأخطر أن خيط القضية، بحسب مصادرنا، بدأ من شهادات لنزلاء سابقين وحاليين جرى تداولها في شريط مصور على مواقع التواصل الإجتماعي، قبل أن تباشر الشرطة القضائية أبحاثا واسعة تحت إشراف النيابة العامة.
وهنا أيضا ينبغي أن نكون دقيقين:
الشهادة ليست حكما، والفيديو ليس محكمة، والإتهام ليس إدانة.
لكن الشهادة عندما تصل إلى النيابة العامة، وتفتح بشأنها أبحاث، ثم تنتهي الأبحاث إلى ٱعتقالات وإحالة على غرفة الجنايات، فإنها تصبح معطى يستوجب أن يأخذ القضاء مجراه كاملا، وأن تكشف الحقيقة بعيدا عن التهويل وبعيدا عن التستر.

لقد ٱنتقلت القضية الآن من مرحلة الكلام المتداول إلى مرحلة القضاء، وهذه نقطة مفصلية.
ففي 28 شتنبر لن تكون المحكمة أمام مجرد فيديو أو منشورات على مواقع التواصل، بل أمام ملف قضائي وأطراف وٱتهامات وأدلة ودفاع، وستكون الكلمة للقضاء لتحديد ما ثبت وما لم يثبت، ومن يتحمل المسؤولية ومن تثبت براءته.
لكن المجتمع لا يحتاج إلى ٱنتظار الحكم النهائي حتى يطرح سؤالا مشروعا:
– من كان يراقب؟
– ومن كان يفتش؟
– ومن كان يستمع إلى الأطفال؟
– ومن كان يتأكد من أن المؤسسة التي يفترض أن تحميهم تؤدي مهمتها فعلا؟

الأطفال الموجودون في مثل هذه المؤسسات ليسوا أرقاما في لوائح المستفيدين، ولا ملفات إدارية، ولا عبئا ينبغي التخلص منه عند بلوغ سن معينة.
إنهم، قبل كل شيء، فئة في وضعية هشاشة تحتاج إلى حماية مضاعفة، لأن غياب الأسرة يجعل مسؤولية المؤسسة والمجتمع والدولة أكبر، لا أصغر.
ولذلك، فإن الحقيقة التي ينتظرها المغاربة من قضية مركب الوفاء ليست فقط:
– من فعل ماذا؟
بل أيضا:
– كيف حدث ذلك، إن ثبت
– ولماذا لم يكتشف في وقت أبكر؟
– وهل كانت آليات المراقبة والحماية تقوم بدورها كما ينبغي؟
تلك أسئلة لا تجيب عنها الإعتقالات وحدها، ولا الأحكام وحدها.
فالعدالة مطالبة بتحديد المسؤوليات الجنائية وفق القانون، والجهات الوصية مطالبة، بالتوازي، بمراجعة آليات المراقبة والتدبير والحماية داخل مؤسسات الرعاية، لأن حماية الطفل لا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع الكارثة، بل قبلها بكثير.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يتحول أطفال مركب “الوفاء” إلى مجرد عنوان عابر في أخبار الجرائم والمحاكم.
هؤلاء الأطفال هم جوهر القضية، وهم الطرف الأضعف فيها، وهم أول من يستحق أن يعرف المجتمع هل كان فعلا في المكان الذي يفترض أن يكون فيه:
مكانا آمنا يحميهم… لا مكانا يجعل حمايتهم موضع سؤال.
وإلى أن تقول المحكمة كلمتها، تبقى القاعدة القانونية واضحة:
*لا إدانة قبل حكم قضائي نهائي، ولا حماية حقيقية للأطفال من دون كشف الحقيقة كاملة.*

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.