حين تذبح المليارات على موائد الدعم… ويترك المواطن ليمضغ الغلاء!

0 295

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في المغرب، لم يعد السؤال الحقيقي هو:
– لماذا ٱرتفع ثمن اللحم؟
السؤال الأكثر إزعاجا هو:
– أين ذهبت كل تلك المليارات التي قيل إنها جاءت لإنقاذ سلسلة اللحوم، ودعم الفلاح، وتطوير العالم القروي، وتخفيف العبء عن المواطن؟
فالمواطن البسيط لا يقرأ بيانات الميزانيات، ولا يتابع مسارات الٱعتمادات المالية، ولا يعرف كثيرا عن هندسة مخطط الجيل الأخضر أو آليات الدعم والإستيراد.
هو يعرف شيئا واحدا فقط:
(دخل إلى الجزار ومعه المال، وخرج منه ومعه الصدمة!).
لقد تحولت قطعة اللحم بالنسبة إلى كثير من الأسر المغربية من مادة غذائية عادية إلى ما يشبه وثيقة ٱستثمارية تحتاج إلى دراسة جدوى قبل ٱقتنائها.
وحين تصل الأسعار إلى مستويات تجعل الكيلوغرام الواحد يلتهم جزءا مهما من دخل صاحب الأجر المحدود، يصبح من حق المواطن أن يسأل، وبصوت مرتفع:
– إذا كانت الدولة قد ضخت كل هذه الأموال في القطاع، فلماذا لم يصل أثرها إلى جيب المواطن؟
هنا تحديدا تبدأ الحكاية الحقيقية.

لسنا أمام مشكلة في ضخ الأموال فقط، بل أمام سؤال أكبر يتعلق بـ النجاعة والرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فحين ترصد مليارات الدراهم لدعم قطاع معين، لا يكفي أن نعلن عن الدعم، ونلتقط الصور، وننظم الندوات، ونوزع التصريحات التي تبشر بٱنخفاض الأسعار.
المطلوب هو أن تكون هناك آليات واضحة تجيب عن أسئلة بسيطة جدا:
– من ٱستفاد؟
– كم ٱستفاد؟
– ماذا أنجز؟
– وبأي ثمن؟
والأهم:
– ماذا تغير بالنسبة للمواطن؟
لأن الدولة لا تنفق المال العام من جيب مسؤول، ولا من حساب حزب، ولا من مال جمعية ٱنتخابية… إنها تنفق من جيوب المغاربة جميعا، بما في ذلك ذلك المواطن الذي يقف أمام الجزار ثم يعيد محفظته إلى جيبه بعدما يكتشف أن راتبه لا يسمح له إلا بشراء كيلوغرام من البطاطس وبعض الخبز!
والمفارقة الأكثر إثارة للسخرية، أن المواطن يسمع عن مليارات مخصصة للفلاحة، وأخرى للعالم القروي، وأخرى لدعم سلاسل الإنتاج، وتسهيلات ضريبية وجمركية لٱستيراد اللحوم، ثم ينظر إلى ثمن اللحم في السوق فيشعر وكأن هذه المليارات سافرت إلى بلد آخر ولم تجد طريق العودة إلى المغرب!

لقد قيل إن الإستيراد كان من بين الأدوات التي يراد بها تخفيف الضغط على السوق وخفض الأسعار.
حسنا، لكن السؤال البسيط الذي يطرح نفسه:
– هل ٱنخفاض كلفة الإستيراد يعني بالضرورة ٱنخفاض السعر الذي يدفعه المستهلك؟

إذا كانت الدولة تقدم تسهيلات وإعفاءات وتتحمل جزءا من الكلفة، بينما يظل المواطن أمام أسعار مرتفعة، فهنا لا بد من فتح النقاش حول الحلقة المفقودة بين الدعم والسوق والمستهلك.
فالأسواق لا تخفض الأسعار بمجرد أن نطلب منها ذلك بلغة البيانات الصحفية!
السوق يحتاج إلى منافسة حقيقية، وشفافية، ومراقبة، وتتبع لهوامش الربح، وضبط لمسارات الدعم، حتى لا يتحول المال العمومي إلى سماد ممتاز لٱرتفاع الأسعار بدل أن يكون علاجا لها.
والأخطر من ذلك، أن ٱستمرار ٱرتفاع الأسعار بعد كل هذه الإجراءات يطرح سؤالا سياسيا، وليس ٱقتصاديا فقط.
فالمسؤول العمومي الذي يوقع على صرف المال العام لا يستطيع أن يتعامل مع الٱعتمادات وكأنها مجرد أرقام في جدول حسابي.
التوقيع مسؤولية، والٱعتماد المالي التزام، والنتيجة هي الٱختبار الحقيقي.
لا أحد يطالب الوزير بأن يمسك بسكين الجزار ويقف في السوق لمراقبة ثمن الكيلوغرام!
لكن المواطن يريد أن يعرف:
– من يراقب؟
– ومن يحاسب؟
– ومن يتتبع أثر الدعم؟
– ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تحقق المليارات أهدافها؟

فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بحجم الأموال التي تنفقها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأموال إلى نتائج ملموسة.
وإذا كان الدعم قد ضخ في منظومة اللحوم، بينما ٱرتفعت الأسعار بدل أن تنخفض، فإن السؤال ليس ٱتهاما لأحد بقدر ما هو مطالبة مشروعة بتفسير ٱقتصادي وسياسي مقنع.
أما أن نطلب من المواطن الصبر كلما ٱرتفعت الأسعار، ونطلب منه التضحية كلما ٱحتاجت الميزانية إلى موارد إضافية، ثم نتركه وحيدا أمام السوق، فهذه ليست سياسة ٱجتماعية، بل رياضة وطنية في شد الحزام حتى ينقطع!

لقد أصبح المغربي يسمع عبارة “الدعم” فيشعر بالخوف بدل الٱطمئنان.
لأن الدعم في قاموس المواطن لم يعد يعني بالضرورة أن السعر سينخفض، وإنما قد يعني أن الدولة دفعت، والميزانية دفعت، والمواطن دفع… ثم دفع المواطن مرة أخرى عند الجزار!
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تناقش بجدية.
إذا كانت عشرات المليارات قد خصصت عبر برامج مختلفة لتطوير العالم القروي والفلاحة وسلاسل الإنتاج، وإذا كانت الدولة قد ٱتخذت إجراءات لتسهيل ٱستيراد اللحوم، وإذا كانت كل هذه السياسات تستهدف في نهاية المطاف حماية الإنتاج وتحقيق التوازن في السوق، فإن المواطن من حقه أن يرى ثمرة هذه السياسات في حياته اليومية.
لا يريد المواطن محاضرة في الإقتصاد.
يريد كيلوغرام لحم بسعر يستطيع تحمله.
يريد أن يأكل أبناؤه كما يأكل أبناء من يتخذون القرارات الإقتصادية.
يريد أن يشعر أن الدعم الذي يسمع عنه في الأخبار ليس رقما ضخما يسبح في فضاء الميزانية، وإنما شيء يمكن أن يلمسه في السوق.
أما أن تتحول الكفتة إلى (منتج فاخر)، واللحم إلى (مناسبة وطنية)، والجزار إلى موظف ٱستقبال في بنك ٱستثماري يسأل الزبون عن قدرته الإئتمانية قبل أن يزن له نصف كيلوغرام… فهنا يصبح الأمر أكثر من مجرد غلاء.
إنه أزمة ثقة.
والأزمة لا تعالج بالتبرير، ولا بالتبشير بٱنخفاض الأسعار في المستقبل، ولا بإلقاء المسؤولية على حلقات متفرقة من سلسلة الإنتاج.
تحتاج إلى كشف واضح لمسار الأموال، وتقييم حقيقي لنتائج برامج الدعم، وبيانات دقيقة حول المستفيدين، وهوامش الربح، وتكلفة الإنتاج والإستيراد، ومدى ٱنعكاس كل ذلك على المستهلك.
فالمال العام ليس (شيكا) على بياض.
ومن يوقع على صرفه لا يوقع فقط على مبلغ مالي، بل يوقع ضمنيا على وعد للمواطن بأن هذا المال سيحقق هدفا محددا.
وإذا لم يتحقق الهدف، فالسؤال الديمقراطي الطبيعي هو:
ولماذا؟
لا نحتاج إلى (حمالة حطب) لتوقيع الأوراق، ولا إلى مسؤول وظيفته أن يقول دائما:
«نعم، صرفوا».
نحتاج إلى مسؤول يسأل قبل أن يوقع:
– هل هذا الدعم ضروري؟
– هل سيصل إلى مستحقه؟
– كيف سنراقبه؟
– ما النتيجة المتوقعة؟
– وماذا سنفعل إذا فشل؟

تلك هي وظيفة التدبير الحقيقي للمال العام..أما المواطن، فقد أنهكه الٱنتظار.
لقد صار يراقب الأسعار أكثر مما يراقب نشرات الأخبار، ويعرف ثمن اللحم أكثر مما يعرف أسماء البرامج الحكومية.
وفي نهاية المطاف، لا يهمه كثيرا إن كان إسم البرنامج “الجيـل الأخضـر” أو “الدعم الإستثنائـي” أو “خطـة إنقاذ سلسلة اللحوم”.
هو يريد فقط أن يعرف:
– لماذا أصبح اللحم أخضر في أعيننا من شدة ثمنه، بينما المليارات التي صُرفت عليه لا نرى لها أثرا على موائدنا؟

وهذه ليست نكتة، إنها سخرية الواقع نفسه.
فحين تنفق الدولة المليارات لإنقاذ قطاع، ثم يحتاج المواطن إلى إنقاذ راتبه من فاتورة الجزار، يصبح من المشروع أن نسأل عن جدوى السياسات، لا عن قدرة المواطن على الصبر.
فالميزانية قد تتحمل مليارات إضافية… أما جيب المواطن فقد وصل بالفعل إلى غرفة الإنعاش.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.