حرية الرأي بين التخوين والسيرك السياسي: قراءة نقدية في قصيدة نصرالدين خيامي بلمهدي.

0 135

 

 

بقلم الكاتب/ خالد شريف

 

 

هذه القصيدة للشاعر الزجلي نصرالدين خيامي بلمهدي تشتغل على مساحة خطرة ومؤلمة: مساحة الإنسان الذي يحاول أن يتكلم داخل مناخٍ سياسي واجتماعي يعتبر الكلام نفسه جريمة. يعني باختصار، النص لا يهاجم “العدو” مباشرة بقدر ما يفضح البنية النفسية للجماعة حين تتحول إلى ماكينة تخوين جماعي. البشرية عند أول أزمة تتحول إلى لجنة تحقيق شعبية. شيء يبعث على الإعجاب فعلًا، لو كان المرء يحب الكوابيس الجماعية.

القراءة الفنية والفكرية

القصيدة تنتمي بوضوح إلى الزجل السياسي الساخر، لكنها ليست ساخرة للضحك، بل للمرارة. السخرية هنا تؤدي وظيفة فضح، لا وظيفة ترفيه. الشاعر يستخدم النبرة الشعبية المباشرة ليكسر المسافة بين النص والمتلقي، وكأنه يتحدث من قلب الشارع لا من برج ثقافي.

من أول مقطع:

> “قالوا: احكي… عنا حرية

قلت: الوحدة مش جريمة”

هنا المفارقة المركزية في النص: الحرية موجودة كشعار، لكنها ممنوعة كفعل.

مجرد الدعوة للوحدة تتحول إلى تهمة. وهذا ذكاء افتتاحي مهم، لأن القصيدة منذ البداية تكشف أن الأزمة ليست في “الرأي المختلف” فقط، بل في استحالة التفاهم أصلًا.

ثيمة التخوين الجماعي

القصيدة تبني عالمًا قائمًا على التصنيف المرضي:

> “مرة كافر… مرة عميل

مرة مندسّ ابن حرام”

التكرار هنا مقصود إيقاعيًا ودلاليًا.

كلمة “مرة” المتكررة تشبه محاضر الاتهام الجاهزة. وكأن المجتمع لا يبحث عن الحقيقة، بل عن التهمة الأنسب.

النص يفضح آلية عقلية خطيرة: أي صوت خارج القطيع يتحول فورًا إلى “خائن”.

وهذه واحدة من أقوى النقاط في القصيدة، لأنها لا تقع في الخطاب الوعظي المباشر، بل تُظهر العبث من خلال تراكم الاتهامات نفسها.

صورة “الخازوق” وتحول الوطن إلى أداة عقاب

من أجمل الصور السوداوية:

> “أنا مربوط بخازوق

من راسي لحدّ الساس”

هذه الصورة تعمل على مستويين:

مستوى سياسي: القمع الممتد من أعلى الجسد لأسفله.

ومستوى وجودي: الإنسان صار معلّقًا بالكامل داخل منظومة الألم.

والأذكى أن الشاعر سبقها بقوله:

> “لقيت الخازوق مستنيني

لابس بدلة ظروف”

هنا تتحول “الظروف” إلى قناع رسمي للتبرير.

الاستبداد لا يأتي دائمًا بوجهٍ مخيف، أحيانًا يأتيك بربطة عنق ويقول لك: “المرحلة حساسة”. وهي الجملة التي استخدمتها السلطات العربية أكثر مما استخدمت الكهرباء نفسها.

السخرية الأمنية

من أنجح المقاطع فنيًا:

> “صار الأمن يراقب سعالي

والكحة ملفّات كبار”

ثم:

> “لو عطست يقولوا فورًا:

هاي إشارة لانفجار”

هذا المقطع يعتمد على الكاريكاتير السياسي.

المبالغة هنا ليست مجانية، بل تكشف عقلية الشك المرضي داخل الأنظمة القمعية، حيث يتحول الجسد نفسه إلى دليل إدانة.

السعال والعطسة، وهما أكثر الأفعال البشرية عفوية، يصبحان نشاطًا أمنيًا مشبوهًا. صورة ذكية جدًا لأنها تُظهر كيف يصل القمع إلى الحياة اليومية الصغيرة.

نقد الجماعة لا السلطة فقط

ميزة القصيدة أنها لا تقع في التبسيط المعتاد: “السلطة شريرة والشعب بريء”.

لا.

الشاعر يحمّل المجتمع نفسه مسؤولية الخراب:

> “ونخاف من ظلّ بعضنا

أكثر من خوفنا من العفن”

هنا يصل النص إلى ذروته الفكرية.

الخوف الداخلي بين الناس صار أكبر من الخطر الحقيقي نفسه.

وهذا سطر قوي جدًا لأنه يختصر حالة التفكك النفسي والسياسي العربي: العدو الخارجي حاضر، لكن الانهيار الحقيقي يحدث داخل الجماعة نفسها.

صورة السيرك والمهرج

> “الدنيا سيرك مفخخ

والمهرج لابس سلطة”

هذه صورة كلاسيكية في الأدب السياسي، لكنها هنا ناجحة لأن الشاعر لم يستخدمها كشعار بل أكملها بالفعل الدرامي:

> “يصرخ: خاين! بايع!

وهو بجيبه ألف شنطة”

المفارقة هنا أن من يوزع الوطنية هو أكثر الشخصيات انتفاعًا وفسادًا.

المهرج ليس مضحكًا، بل خطير.

وهذا انتقال مهم من الكوميديا إلى العبث الأسود.

النهاية ودلالة “الجمل”

الخاتمة موفقة جدًا:

> “كل واحد حامل سيف

وما حدا شايف الجمل”

استدعاء المثل العربي المرتبط بـ”الجمل” يخلق طبقة تراثية داخل نص حديث ساخر.

الجميع مستعد للقتال، لكن لا أحد يرى الحقيقة الأساسية.

وهنا تعود القصيدة إلى فكرتها الأولى: الضجيج أكبر من الوعي.

 

الخلاصة :

هذه القصيدة للشاعر نصرالدين خيامي بلمهدي ليست مجرد شكوى سياسية، بل تشريح نفسي لمجتمع يعيش تحت:

القمع،

التخوين،

الهلع الجماعي،

وانهيار الثقة بين الناس.

أقوى ما فيها أنها لا تتكلم من موقع “البطل الثوري”، بل من موقع المواطن المطحون:

> “بس شايف المسرحية

من فتحة خرم الموال”

 

وهذا سطر ممتاز جدًا، لأنه يحول الراوي إلى شاهد صغير داخل مسرح ضخم من العبث.

إنسان يرى الحقيقة من ثقب ضيق، بينما الجميع منشغل بالصراخ وحمل السيوف. حضارة كاملة تتعارك داخل سيرك، ثم تتساءل لماذا الخيمة تحترق.

 

 

نص القصيدة للقراءة /

 

يا حرية الرأي سلامات

 

قالوا : احكي … عنا حرية

قلت : الوحدة مش جريمة

طلع صوتي عامل فتنة

وكل زلمة صار عدوّه قديمة

 

مرة كافر… مرة عميل

مرة مندس ابن حرام

مرة حامل فكر أصفار

مرة بشتغل للظلام

 

قلت : يا جماعة اتوحدوا

قبل مالقضية تموت

قالوا : امسك هالزلمة

شكله مدسوس عالبيوت

 

يا سبحان اللي خلقنا

صرنا نخاف من الكلام

والعدو قاعد مرتاح

واحنا نوزّع الاتهام

 

أنا مغربي عالنية

جايب قلبي عالكفوف

لقيت الخازوق مستنيني

لابس بدلة ظروف

 

قالولي : ” أرض الرباط ”

قلت : ” رباط مين يا ناس ؟”

أنا مربوط بخازوق

من راسي لحد الساس

 

حتى المرة ما سلمتش

حطّوها ضمن القطيع

يبدو إن الحب تهمة

في زمن بيع الجميع

 

صار الأمن يراقب سعالي

والكحة ملفات كبار

لو عطست يقولوا :

” هاي إشارة لانفجار ”

 

والسلطة صافحت خصمها

وتركت شعبها للجراح

بس أنا اللي دفعت الثمن

لأني صدقت الكفاح

 

يا سادة … يا أهل الحكمة

يا أصحاب الفكر النضيف

كيف الوحدة صارت تهمة ؟

وكيف السكوت صار شريف ؟

 

صرنا نعبد شكل الراية

وننسى شو معنى الوطن

ونخاف من ظلّ بعضنا

أكثر من خوفنا من العفن

 

الدنيا سيرك مفخخ

والمهرج لابس سلطة

يصرخ : ” خاين ! بايع !”

وهو بجيبه ألف شنطة

 

وأنا المواطن المطحون

لا شيخ حزب ولا جنرال

بس شايف المسرحية

من فتحة خرم الموال

 

سلامات يا حرية الرأي

يا بنت الحكي المذبوح

في بلاد إذا قلت : نتوحد

بتنام وتصحي مجروح

 

وعمّار يا بلد… عمّار

يا قصر مبني عالرمل

كل واحد حامل سيف

وما حدا شايف الجمل

 

نصرالدين خيامي بلمهدي

غزة 2020

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.