*حتى المجاني صار يباع!* .

0 380

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

كان أجدادنا يعيشون بشكل طبيعي… يمشون دون ٱشتراك في أي قاعة رياضية، ويتعرضون للشمس دون كبسولات، ويتناولون الطعام الطبيعي دون أن يعرفوا قاموس «البروبيوتيك» والمكملات!
أما نحن، فقد وصلنا إلى مفارقة عجيبة:
« نشتري بأموالنا ما كانت الحياة تمنحنا إياه مجانا!.»

المشي أصبح جهازا وٱشتراكا، والنوم أصبح تطبيقا ومكملا غذائيا، والتنفس أصبح دورة تدريبية، والطعام المخمر أصبح كبسولات، وحتى الشمس تحولت إلى فيتامينات معلبة.
ولا يعني هذا أن كل هذه المنتجات بلا فائدة.. فبعضها ضروري عندما توجد حاجة صحية حقيقية.
لكن، المشكلة تبدأ عندما تتحول العافية إلى صناعة، والحاجة إلى فرصة تجارية، والقلق على الصحة إلى سوق لا ينتهي.
السوق لا يبيعنا المنتج فقط، بل يبيعنا أحيانا الإحساس بأننا لا نعيش بطريقة صحيحة من دونه.
– هل لا تنام جيدا؟
هناك مكمل!
– هل لا تتحرك؟
هناك جهاز!
– هل تخشى نقص الفيتامينات؟
هناك كبسولة!
– هل تريد أن تتنفس بشكل أفضل؟
هناك دورة!

وهكذا أصبح الإنسان الحديث يملك ساعة تقيس خطواته، وتطبيقا يحلل نومه، وجهازا يراقب نشاطه، ورفا مليئا بالمكملات… بينما قد يكون الحل في كثير من الأحيان أبسط بكثير:
« ٱنهض، إمشي، نم جيدا، وكل بٱعتدال».
لقد صنعت لنا الحياة الحديثة مفارقة ساخرة:
« أراحتنا من الحركة، ثم باعتنا الرياضة، وأفسدت نومنا، ثم باعتنا حلولا للنوم، وأبعدتنا عن الطبيعة، ثم باعتنا منتجات تعيدنا إليها».

لسنا مطالبين برفض العلم أو العودة إلى حياة الأجداد، وإنما بأن نسأل قبل كل عملية شراء:
– هل أنا أشتري حاجة حقيقية، أم أشتري شيئا أقنعتني الإعلانات بأنني أحتاج إليه؟
فليس كل ما في علبة ضرورة، وليس كل ما هو غال أكثر نفعا، وليس كل ما يحمل عبارة «طبيعي» يستحق أن ندفع ثمنه.
جرب المجاني أولا…
تمشى قبل جهاز المشي،
نم قبل مكمل النوم،
تحرك قبل الإشتراك،
وكل جيدا قبل أن تبحث عن كبسولة تعالج أخطاء مائدتك.
ففي زمن أصبح فيه كل شيء قابلا للبيع، ربما أصبح أغلى شيء هو أن تعرف ما الذي لا تحتاج إلى شرائه.

لقد وصلنا إلى زمن لا يبيعنا فيه السوق ما نحتاجه فقط… بل يبيعنا أيضا ما كان لدينا أصلا، ثم يقنعنا بأننا كنا نعيش خطأ من دونه!

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.