تشكل الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء محطة وطنية إستثنائية ، ففي كل سنة من شهر نونبر يتجدد في وجدان المغاربة نبض المسيرة الخضراء ، تلك الصفحة المضيئة التي دونها التاريخ بحروف من إيمان ويقين ، حين صدح الوطن بصوت واحد خلف جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ، فكانت المسيرة حدثا فريدا في العالم ، إذ جمعت بين الحكمة السياسية والإيمان الشعبي ، وجعلت من الانتماء إلى الوطن فعلا راقيا يتجاوز حدود الجغرافيا إلى آفاق الروح والالتزام .

وفي ظل القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله ، تستمر هذه الذكرى في بث معانيها العميقة في النفوس ، إذ تحولت من مجرد إحتفال رمزي إلى مدرسة وطنية متجددة تعلم الأجيال معنى الوحدة والولاء والمسؤولية ، ولعل من مظاهر هذا الوعي الوطني المتجدد ما أبانت عنه جماعة المشور القصبة من روح عالية في تنظيم مسيرة إحتفالية للمسيرة الخضراء لهذه السنة ، حيث تماهى العمل المؤسسي بالحب الصادق للوطن ، فكانت الاحتفالية أنيقة في مضمونها ، متوازنة في رموزها ، ومعبرة في دلالاتها .

لقد أظهرت جماعة المشور القصبة في مدينة مراكش بقيادة رئيسها السيد عبد الرحمان الوفا وعيا متقدما في كيفية إستحضار الحدث الوطني في الفعل الترابي ، حيث إمتزج الإخلاص بالانضباط ، والجمال بالتنظيم ، لتقدم صورة حضارية عن المغرب في مراكش العريقة ، لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة شكلية ، بل كان فعلا تواصليا يعيد للذاكرة الوطنية توهجها ، ويذكر بأن الوطنية ليست شعارا يرفع، بل سلوك يترجم في خدمة الناس وتجويد الحياة العامة .

وما منح لهذه الاحتفالية بعدها المضيء هو ذلك التنسيق الهادئ والداعم الذي أبانت عنه ولاية جهة مراكش آسفي ، التي واكبت المبادرات المحلية بروح من التعاون والتقدير ، مما يعكس الانسجام البناء بين مختلف المستويات المؤسساتية في تجسيد قيم المواطنة والمسؤولية المشتركة ، ففي هذا التكامل بين الجماعة الترابية والولاية ، تتجلى الروح الإدارية الوطنية التي تنظر إلى خدمة الوطن باعتبارها عملا جماعيا يلتقي فيه الواجب بالمحبة .

لقد جسد السيد عبد الرحمان الوفا ، من خلال إدارته الحكيمة وتنظيمه الرصين ، مثال المسؤول الذي ينصت للرمز الوطني بعين الاعتزاز ، ويترجمه على الأرض بمشاريع ومعاني إحتفاؤه بالمسيرة الخضراء لم يكن تكرارا لما جرى في التاريخ ، بل إستمرارية لما يجب أن يكون في الحاضر ، وعي بأن الوطن يبنى بالمبادرات الصغيرة كما يصان بالقرارات الكبرى ، وأن الوفاء للملك والوطن لا يقاس بالكلام ، بل بجمال الفعل وإتزانه .

هكذا تحولت المشور القصبة في هذه المناسبة إلى لوحة وطنية نابضة بالحب والاعتزاز ، حيث إلتقت فيها وجوه المواطنين ، كبارا وصغارا ، في مشهد من الفخر والانتماء ، كانت الأعلام ترفرف برصانة ، والأناشيد تصدح بالعهد والوفاء ، لتؤكد أن المغاربة ، رغم اختلاف مواقعهم ، يجتمعون في حب الوطن والملك ، وفي إيمان عميق بأن المسيرة الخضراء ليست فقط حدثا مضى، بل فكرة حية تسكن الوجدان وتلهم الأجيال ..
إن ما أنجزته جماعة المشور القصبة يعبر عن مغرب واثق بخطاه، متشبث بثوابته، مدرك أن الذاكرة الوطنية ليست ترفا احتفاليا ،بل ركيزة للتماسك الاجتماعي والنهضة المعنوية ، ففي كل سنة تتجدد المسيرة ، لا بالمسافات التي تقطعها الأقدام ، بل بالخطوات التي يقطعها الوعي في سبيل الوطن تحت شعار الله الوطن الملك.